قراءات سردية ..أشكال المفارقة في الخطاب السردي,قراءات سردية ..أشكال المفارقة في الخطاب السردي,قراءات سردية ..أشكال المفارقة في الخطاب السردي



قراءات سردية ..أشكال المفارقة في الخطاب السردي



اسم الكتاب: قراءات سردية

المؤلف: أ.د: أيمن إبراهيم تعيلب

البيانات: دار العلم والإيمان، كفر الشيخ، دسوق، مصر، 2015م

**الفهرس**

ـ الإهداء

ـ منطق الشكل الروائى فى رواية الجميل الأخير

ـ منطق التجريب فى الخطاب السردى المعاصر: رواية ( فتنة الأسر انموذجا).

ـ أشكال القص فى القصة القصيرة ( الركض فى مساحة خضراء)

ـ أشكال المفارقة فى الخطاب السردى

ـ جسد السرد: جسد العالم: قراءة فى امرأة وألف وجه

ـ ـ أشكال الرمز فى القصة القصير

ـ أصداء السيرة:أصداء الوجود، السرد وقراءة السراب الموضوعى للوجود.


فصل من الكتاب هدية من المؤلف بارك الله فيه



بعنوان



أشكال المفارقة فى الخطاب السردى



اسم الكتاب: قراءات سردية

المؤلف: أ.د: أيمن إبراهيم تعيلب

البيانات: دار العلم والإيمان، كفر الشيخ، دسوق، مصر، 2015م



الفهرس

ـ الإهداء



ـ منطق الشكل الروائى فى رواية الجميل الأخير

ـ منطق التجريب فى الخطاب السردى المعاصر: رواية ( فتنة الأسر انموذجا).

ـ أشكال القص فى القصة القصيرة ( الركض فى مساحة خضراء)

ـ أشكال المفارقة فى الخطاب السردى

ـ جسد السرد: جسد العالم: قراءة فى امرأة وألف وجه

ـ ـ أشكال الرمز فى القصة القصير

ـ أصداء السيرة:أصداء الوجود، السرد وقراءة السراب الموضوعى للوجود.


فصل من الكتاب هدية من المؤلف بارك الله فيه



أشكال المفارقة فى الخطاب السردى


نحو تأسيس تجريبى للمصطلـح النقدى :



يقول عبد الرحمن بدوي واصفا طبيعة الزمان في أطروحته الجامعية عن الزمان الوجودى الذي نحياه (( إن الوجود في مشاقة مع ذاته ، التناقض جوهره ، والتغير قانونه الذي يجري عليه في تحققه ، والتغير معناه المغايرة ، والمغايرة أن يصير الشئ غير ذاته ، وهذه الغيرية معناها وجود التضاد في طبيعة الوجود ، وإذا كان التغير جوهر الوجود كان التضاد من جوهر الوجود كذلك ، ومنطق الوجود يجب – من ثم – أن يكون جاريا على نحو ديالكتيكي ، ولذا كان الديالكتيك بمعنى تحول السياق المنطقي من الموضوع إلى نقيض الموضوع صحيحا فى التعبير عن حقيقة الوجود وهو وحدة المنطق الوجودي ، لا ذلك المنطق القائم على أساس مبدأ عدم التناقض وهو المنطق الأرسطي ، فإن هذا المنطق مجرد فكري مثالي))(6)

هذا يعني أن التغير والتحول والصيرورة والتناقض والهدم والفناء والإحياء والنسبية جميعها تعمل ضمن نسيج حركة العالم الذي نحياه ونتنفسه كل دقيقة ، وفي أعماق هذه الصفات التركيبية المتجادلة المتغايرة تترامى الذوات الإنسانية بين النهائي واللانهائي ، المحدود وغير المحدود ، الممكن والمستحيل الترانستندالي المثالي والتجريبي اليومي ، لا يقر العالم ولا تقر الذات الإنسانية في عراكها وحراكها معه وفيه وبه ، يعتري العالم والذات كليهما بنية النقص والنقض التي تترامى وتشتبك في حركة جدلية تطورية مع بنية الكمال والتحقق ، وفي غيبة هذا التحقق بل استحالت نعيش علم المفارقات،ة لأننا نعيش عالم الأغيار والتطورات والتحولات،ومن هنا ستظل المفارقة علامة فارقة للوجود الإنساني نفسه ، فالعالم صيغة من صيغ المفارقة ، يتجلى ظاهره في بنية اللغة السائدة المستقرة التي نتمثل بها العالم ، لكن باطنه الخفي موار غامض وموغل في سرابه اللامتناهي ، وربما كان الخفي أعظم من الظاهر ( فما خفي كان أعظم ) ، وغالبا ما تقع الحقيقة في الغياب ، ولا يتجلى من وجوه الحقيقة في عالم الظواهر سوى ما نحسن تلقيه أو ما نرغب في تلقيه ، أو ما نشتاق لرؤيته ونتلهف للقاه ، ومنذ أن أدخل سقراط وأفلاطون وأرسطو الجدل إلى المعرفة ، والمفارقة تقع في العمق من هذا الجدل ، إذ المفارقة في جذورها البعيدة لونا من ألوان الجدل الجمالي والمعرفي ، مثلها مثل الحياة وما تنطوي عليه من جدل وتناقض وتعدد ، ولقد انقسم النقاد والبلاغيون والأسلوبيون وأهل البنيوية فى الخطاب النقدى الغربى والعربى معا طرائق قددا في فهم المفارقة ورصد تقنياتها الأسلوبية والنقدية والبنائية ، فمنهم من رآها طريقة أو أسلوبا من أساليب الخطاب ، تشمل الجملة والمفردة والنص كله ، ومنهم من رآها بنية أصيلة في رؤية الحياة نفسها تتجاوز كونها أسلوبا للخطاب الفني ، إلى إقرارها طبيعة للوجود الإنساني نفسه ، وقد تصور بعض من النقاد أن المفارقة تتجلى في ظروف وتختفي في أخرى ، فهي تنشط في أوقات الأزمات ، والتناقضات التاريخية والمعرفية ، وتسلطات السلطة عندئذ تصير المفارقة توعية جمالية موضوعية تناور بقدر ما تسالم ، وتهدم بقدر ما تبني ، إنها ظاهر ناعم أملس، يخفي وراءه باطنا خشنا يضج بالنقد والتأمل والمكاشفة ، وإذا كان سقراط قد بدأ بقولة ( اعرف نفسك بنفسك ) فقد كان يضمن ذلك دلالة أخرى أكثر خفاء وأشد أهمية وهي أن معظم الشرعيات الثقافية ، والأنظمة الفكرية والسياسية ، والأنساق الرمزية المحيطة بنا ، هي شرعيات وهمية، يكاد يمحى فيها الحد الرهيف الفاصل بين المعنى وانعدام المعنى ، بين الشئ واللاشئ ،ففى الوقت الذى أعرف فيه نفسى أكون بالضبط قد خنت نفسى؟!وفى الوقت الذى أفتح فيه مدارك الوعى واللغة أكون قد شوشت عليهما معا؟! وقد فتح سقراط بهذا الباب واسعا لكي نعي حس الجدل والتعدد والانفتاح الكامن في بنية الأشياء والأحياء وسائر أنماط العلاقات والأنساق من حولنا،فاللغة لامثل الواقع تمثيلا دقيقا ونهائيا بحيث تتلاشى المسافة الفاصلة بين الذات والموضوع، وبين التجربة والحادثة واللغة الواصفة لهما،وبين ذاتى المتحدثة وذاتى الغائرة الملتبسة بذاتها، فالواقع ليس واحدا وأفكارنا عنه ليست واحدة ، وطبيعة القيم التي نعتنقها تحمل الغث كما تحمل السمين ، وتأخذ اتساقها وإحكامها من هذا التدشين اللغوي الإعلامي التداولي ، أكثر مما تستمده من جوهر الحقيقة ، وصفاء المبدأ ، وصلابة الحق،وسطوع النقاء، وقد تطور جدل سقراط على يد " كير كيجار " الفيلسوف الوجودي المعاصر ، الذى قدم بدوره نقدا لاذعا للجدل المركب عند هيجل ، والذي نحابه إلى تجاوز حس الفجوة في هذا التركيب الجدلي بين الذاتي والموضوعي بما يرفع حس التناقض ، ولكن كيركجار كان يرى التناقض أصيلا في بنية البشر والعالم من حولهم ، ولذلك لم يتفق مزاج كيركجار مع مزاج الجدل الهيجلي ، ثم تطورت صورة الجدل لدى جميع الفلسفات الحديثة ، لكنها جميعا تسلم بصورة من صور الجدل داخل بنية المفارقة نفسها ، ونظرا لضيق المساحة المتاحة لهذا البحث فلن نخوض في تطور العلاقة المعرفية بين الجدل والمفارقة في الفنون ، بل سنكتفي هنا بخطوط فكرية وجمالية وفلسفية سريعة تهيئ لنا مدخلا نقديا مناسبا لدراسة بلاغة المفارقة في السرد القصصي المعاصر : لدى الكاتب فكرى داؤد.

لقد حظيت المفارقة في خطابنا النقدي العربي المعاصر بدراسات جادة كثيرة ، ليس الوقت متاحا لعرض خطوطها المعرفية والجمالية لكننى أوثر هنا أن أوظف البناء النظري لمفهوم المفارقة كما أسسه الخطاب النقدى المعاصر توظيفا نقديا تفكيكيا من خلال الدراسة التطبيقية التي سنجريها بعد قليل على بعض القصص القصيرة لدى كتاب دمياط، لكن من المفيد هنا أن نشير إشارة سريعة إلى أن ثمة عناصر بنائية ووظيفية لا تتحقق بنية المفارقة إلا بها ومن خلالها، لكنها وردت فرادى منثورة لدى معظم النقاد العرب المعاصرين،ولم أظفر بدراسة عربية واحدة تتناول مصطلح المفارقة فى الخطاب النقدى العربى المعاصر من جهة بناء المصطلح النقدى نفسه،وقد عكفت على دراسة من هذا القبيل وجارى إتمامها،لكن ما يهمنا هنا ان نشير إلى أن معظم نقادنا المعاصرين قد توزعوا طرائق قددا فى معالجة المصطلح، فبعضهم قد درس المفارقة من جهة بنائها وبعضهم درسها من جهة الأسلوب أو من جهة البلاغية، وبعضهم الآخر قد درسها من جهة الفلسفات الجمالية المختلفة للمدارس الفنية المتعددة ، كما عالجها بعض النقاد من جهة جماليات التلقي ، ولكننا فى دراستما عن المفارقة حرصنا على لم هذا الشمل النقدي المبعثر في بنية بلاغية أسلوبية موحدة متسقة تستطيع تكوين طبيعة البناء البلاغي والأسلوبي للمفارقة، مبينة طبيعة كنهها الجمالى والمعرفى، وكوثرة وظائفها ،وحدود تداخلها وتناميها بغيرها من المصطلحات والمفاهيم النقدية الأخرى،و قد تمثلنا هذا التصور بصورة نقدية تجريبية مبدئية فى هذا المخطط النقدى التجريبى المقترح:

1- التعدد التداخلى للمعنــــى

2- التضــــاد البنائى لأطر الإدراك

3- الخـــداع الازدواجى لبنية الأداء

4- أحياز الضحيـــــــــة

5- التعالي الجمالي لخطاب المفارقة

6- مفارقات الخطاب وأنساق التلقى

ونحن لا نستطيع فى هذا الحيز الضيق المخصص لدراسة كاتب محدد، أن نبسط القول النقدى فى هذا المخطط النقدى السابق الذى نقترحه بصورة تجريبية أولية لإعادة بناء مصطلح المفارقة فى الخطاب النقدى العربى المعاصر،ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله،فسوف نعرض بصورة مجملة لهذه التصورات، ولو وقفنا أمام مفهوم التعدد الكامن فى بلاغة المفارقة وجدناه يدفع بها إلى رؤيا بانورامية جدلية نقدية نقضية بما يجعل المفارقة تقع فى العمق من قضايا الحداثة والتجديد والتجريب، وهذا الوعى النقدى النقضى المحدث يدفع ببنية المفارقة باتجاه الإدراك الموضوعي الصلب المحايد والقادر أيضا على الحماس والعقلانية في آن، ولعلنا نتذكر هنا مقولات ماركس ونيتشه عن الوعى المحدث بأن كل شىء صلب يذوب فى الهواء،بما يدفع بنية المفارقة إلى جمع عدة زوايا للنظر فى ذات الشئ الواحد ، إن هذا التعدد مثله مثل زهرة النرد يرينا الحقيقة من عدة وجوه ويخلق حس النسبية والتعدد والغموض في بنية الأشياء والأفكار ، ويجعلنا نرى الإمكانات المتعددة للواقع والذات والعالم ، بحيث ندرك بأن الحقيقة هى لون من ألوان إدراكها فقطولا يمثل هذا الإدراك للحقيقة سوى وجه من وجوهها المتعددة المترامية إلي آفاق لا نهائية وهذا يؤسس بدوره لإدخال عناصر التناقض والتضاد والتنافر فى بنية وعى المفارقة ووعى الحداثة بوصفها حدودا أصيلة فى بينة حدود الوعي بالذات والواقع والعالم،وإذا تمتعنا بهذا التصور النقدى لطبيعة المفارقة أسلمنا إلى التصور الثالث وهو ضرورة الانتباه والتيقظ لأنماط الخداع والمراوغة والختل الكامنة في جميع صور الواقع والعالم من حولنا والكامنة داخل بنية بلاغة المفارقة ، فليس الواقع سوى طريقة محددة – دون غيرها – من طرق الإدراك شاعت وسادت لظروف معرفية وتاريخية خاصة ، وهذا يجرنا جرا إلى وجوب التمتع بخصوصية معينة فى الوعى أستطيع أن أطلق عليها هنا خاصية (الوعي المنظومى التعددى )،القائم على فكرة التداخل والتشعيب ، ونقصد بالوعي الجمالى التشعبى – قدرة الوعي الأسلوبى البلاغى والجمالى فى المفارقة على اليقظة التعددية المرنة المتحركة التي لا يستغرقها الحماس وحده ،أو العقل وحده،أو الحدس والحلم فقط،بل هو وعى يجمع بين حدود معرفية وجمالية وحضارية متعددة فى ربقة واحدة،وقادر فى ذات الواقت عن التخلى عنها فى أى وقت تحت ضغط رحابة وعى الواقع، وهذا الوعى الأسلوبى التعددى الطافى، لا تشله حدود الموضوعية وحدها أو المنهجيات العلمية والثقافية والنقدية السائدة ، بل هو وعي معرفي جمالى حركي يقظ وحذر معا،يمتد بين جدليات عدة من القبض والبسط، قادر على التماسك وزعزعة هذا التماسك في أي لحظة تستدعي وجوب ذلك ،وبما يصلح اجتهادنا النقدى هنا لتوسيع أفق مصطلح المفارقة فى خطابنا النقدى العربى المعاصر بما عن لنا فى دراساتنا النقدية التطبيقية المتعددة من خلال استقراء أسلوبية المفارقة فى الفنون العربية المعاصرة شعرا وسردا ومسرحا.

فإذا رجعنا إلى تأمل المصطلح فى الفكر النقدى المعاصر نجد أن معظم النقاد شرقا وغربا قد اشترطوا صفات موضوعية ومعرفية وجمالية خاصة فى كتاب المفارقة،كما اشترطوا صفات أدبية موازية في البنية البلاغية والأسلوبية للمفارقة نفسها،فإذا كنا حددنا الصفات الخمسة السابقة في بنية المفارقة فيجب علينا أن نعرف أن هذه الصفات هى ذات الصفات التى يجب أن يتمتع بها كتاب المفارقة أيضا،كما يجب أن نؤمن بأن جميع هذه الصفات المشترطة فى بنية المفارقة أو فى تكوين أصحابها محدودة بالحدود الفكرية والجمالية التي استقرأت جماليات المفارقة أو وعى أصحابها حتى الآن فى الخطاب النقدى العربى والغربى معا،، ولا يعني هذا أن هذه الصفات الأسلوبية والموضوعية هي نهاية المطاف ، فلربما كانت فى نظرنا النقدى الخاص بنا بداية مطاف لجولات فكرية وفلسفية وجمالية تؤسس لبلاغة مفارقيه جديدة في الفكر الأدبي المعاصر على مستوى العالم كله، ، خاصة في ظل انهيار الحدود المعرفية والفلسفية البينية بين العلوم وارتفاع بل اتخاذ نظرية المعرفة المعاصرة من بني الفوضى والتشوش واللاتحدد واللادقة واللامعنى حدودا معرفية أصيلة في بنية العلوم التجريبية والإنسانية معا ، وجميع هذا يهيئ الفكر النقدي المعاصر سواء فى الشرق والغرب معا لتصورات نقدية جديدة ، وطرح رؤى مغايرة تؤسس بصورة جذرية لأبنية جديدة من أخيلة المفارقة وتركيبات النصوص الأدبية وتداخلها على مستوى أبنيتها الداخلية، واشتباكها الموضوعى بالعالم من خلال النظام العلائقي الشبكي الجمالي بما يسمح بخلق لون جديد من ألوان الخيال نطلق عليه ( الخيال الشبكى المنظومي التداخلي ) وقد نشرنا دراسات كثيرة لتاصيل هذا المفهوم فى خطابنا النقدى المعاصر (7) فكل ما نطمح إليه هنا أن نلفت الانتباه النقدي العربي المعاصر إلى أننا على مشارف تغيير معرفي جمالي جذري في بنية بلاغة المفارقة ، ويجب علينا وعلى نظريات النقد عندنا أن نصغي إصغاء موضوعيا خلاقا للنصوص الإبداعية الجديدة حتى نستقرئ الجماليات والأشكال التخييلية التجريبية المحدثة استقراءا نقديا واعيا ومتعاطفا معا بما يمكننا من تكييف حد النظرية النقدية العربية المعاصرة لصالح حد المصطلح الإبداعي نفسه ، فالإبداع ضرب من ضروب الحرية والمقاومة على مستوى الأشكال والتصورات والرؤى، وهو يطور نظرية النقد أكثر مما يطوره النقد .

علينا أن نعرف منذ البداية بأن المفارقة تمثل لعبة عقلية وجمالية جد معقدة وراقية ، بل تمثل أرقى صور النشاط الجمالي الجدلى ، إنها توتر متواتر بين حدود الواقع وحدود الإمكان ،فهى تحي الواقع بقدر ما تعدمه،وتخلق الحماس الموضوعي التأملي بقدر ما تصادر الحماس الانفعالي الأحادي ، وترقى بالعالم والواقع والذات من الصخب اللغوي العام ، والثرثرة الفكرية المعتادة ، إلى حسن الإصغاء للجدل الجمالى التعددى الصامت والكامن في بنية العلاقات والأنساق والموجودات والحياء من حولنا .حتى نستطيع الإمساك ببينة التعدد والجدل والتناقض الكامنة فى كل شىء من حولنا، وكافة صور العلاقات الثقافية المحيطة بنا.




مفارقة البدائي والثقافي




ثمة جدل جمالى لا ينتهي في مجموعة فكري داؤود"(( صغير في شبك الغنم)) فالكاتب يطرح أشكال القص بوصفها بني جمالية ومعرفية وسياسية وحضارية فى آن ، قادرة على زعزعة الثوابت ، وهدم الجوامد ، وتحريك الصوامت ، واستجلاب الغياب الفادح في بنية عقولنا وأرواحنا وأنظمتنا الثقافية والحضارية العربية إن مجموعة صغير في شبك الغنم حوار جمالى وجودي بقدر ما هي أشكال من القص المحكم ، و هى قلق روحي فادح بقدر ما تمثل رغبة جمالية تشكيلية حثيثة للقبض على الروح الأخطبوطية للواقع والعالم، ذلك أن الشكل الجمالي للقص يمثل محاولة جمالية تشكيلية ومعرفية وجمالية باهظة لإضفاء شكل ما على العالم ، حتى ينقله الكاتب من مجال السديمية والفوضى ، إلى مجال القصد والنظام ، ومن عبثية التفكك إلى صرامة الشكل الدال ، لست أدري لماذا يستبد بي هاجس نقدي .. يجعلني أختلف اختلافا نوعيا مع معظم النقاد الذين عالجوا هذه المجموعة القصصية الفريدة المدهشة ، فبعضهم قد عزاها إلى تجسيد هموم المهمشين ، وأوجاع المسكوت عنهم ، وبعضهم قد نحا بمعظم دلالاتها إلى الاغتراب والضياع خارج الوطن ، بينما ارتأى البعض الآخر في المجموعة مزيجا من هموم الاغتراب خارج الوطن ، وهموم المسكوت عنهم داخله ، لكنني أحب أن أرى هذه المجموعة من خلال ضوء نقدى جديد، أو أن أراها من خلال مفتاحها الجمالي الأصيل ، أقصد بنية تشكيلها الفني وما يترامى إليه من دلالات ومعاني مرئية ولا مرئية، وإذا كان جولدمان ينطلق من العلاقات الاجتماعية المحددة لظرف تاريخي معين ليبحث التناظر الموجود بين علاقات المجتمع وبنيات النص فإننا سننطلق من منظور ( يبير زيما ) الذي طور من نهج جولدمان بما جعله أدق وعيا بجماليات النص إذ ( ينتقل الناقد من البنية النصية إلى البنية الاجتماعية وهو موقف له دلالة إذا يجعل الناقد في قلب النص الأدبي مباشرة حيث يتصور( يبيرزيما) إن النص هو الذي يفسر القوانين التي تتحكم في المجتمع وتعكس رؤيتها للعالم )(8)

ذلك أن هذه المجموعة يتناوبها بلاغة المعنى واللامعنى معا داخل بنية التخييل السردي وما يترامى إليه هذا التخييل بوصفه عالما جماليا ومعرفيا بديلا للواقع والذات، وليس مجرد مواز جمالى لهما ، ذلك أن التوازي الرمزي الجمالي مع بنية الواقع يحتفظ بقرائن من الود والوصال معه ولو بدرجة من الدرجات ، أما استبدال الواقع العيني بكافة أنساقه المعرفية ، وأنظمته الاجتماعية والسياسية والحضارية ، بالواقع التشكيلي السردي ، فذلك يشير إلى إزاحة عالم ، وإحلال عالم آخر ليكون بديلا عنه بالكلية ، ومن هنا يكمن التجديد السردى فى هذه المجموعة القصصية المدهشة،وتكمن أيضا حدة الهجاء السردي الصاخب في هذه المجموعة ضد كافة صور الأشكال السياسية والاجتماعية والثقافية والحضارية التي تكتنف الوجود العربي من جميع أقطاره ، لتضفي عليه وعيا ثقافيا وقيميا خاصا، وربما يحضرنا في هذا المقام أعمال سردية أصيلة كتبت في ذات المجال – أقصد :مجال الكتابة من خلال اوطان الآخرين،او ما عرف فى سردياتنا العربية المعاصرة ((بالبلدة الأخرى)) التي ارتحل إليها الكتاب ،ارتحال عيانى او تخييلى، أمثال ( مراعي القتل ) لفتحي امبابي والخليج وزوينة لمحمد جبريل ، والبلدة الأخرى لإبراهيم عبد المجيد، والسماء كم هي بعيدة لإبراهيم صالح ، وعصا أبنوس ذات مقبض ذهبي لمحمد عبد الله الهادي وغيرهم ، لكن يظل هناك باستمرار هذه العوالم السردية الأصيلة والفارقة بين الكتاب الأصلاء الجادين ، ومن ضمنهم فكري داؤود في (( صغير في شبك الغنم)) بل يكاد يقف فكري داؤود – وحده فيما أظن – في قدرته على خلق منطق سردي آخر لجدل الاغتراب يختلف عن معظم العمل السردية السابقة، لن التخييل السردى لدى فكرى داؤود يرتفع بمفهوم الاغتراب من مجرد تصوير وتجسيد المعاناة الروحية والفكرية للاغتراب ، أو حتى معاناة الانتقال من بنية ثقافية وسياسية وحضارية إلى بنية ثقافية عربية أخرى ، وكأن الاغتراب منحصر في شقة البعاد بين مكانين جغرافيين ، أو موقوف على معاناة هذا الازدواج الروحي والفكري والحضاري ،إنه يطور مفاهيم الاغتراب والثقافة والذات والواقع بصورة نوعية فى هذه المجموعة،وحتى نقرب الصورة إلى القارىء الكريم علينا ان نطرح فكرتنا السابقة عن الاغتراب،حتى ندرك الرؤى السردية السابقة على فكرى داؤود وما أنجزه الكاتب من بعدها إنجازا متفردا فى هذه المجموعة المدهشة.

فى البداية نقرر بأن مفهوم الاغتراب قد تطور في الأدبيات الفلسفية المعاصرة بما جعلنا نطور مفهوما خاصا بنا في دراستنا للدكتوراه ،وهو (مفهوم الانفصال)وقد رأيناه قادرا على وصف جوهر الواقع العربي المعاصر فى مصر خلال الفترة/ 1950 - حتى الآن .وقد جردنا هذا المفهوم من تصورات فلسفية واجتماعية وسياسية متعددة، سواء على المستوى الفلسفى والاجتماعى الغربي أو الفلسفى الاجتماعى العربي، وقد تبلور المفهوم بصورة أقرب إلى الدقة من خلال اجتهادات كل من (هيجل وماركس ودور كايم واريك فروم وملفن سيمان، وأدورنو، وهوركهايمر، وغيرهم، و(مفهوم الانفصال) يتضمن منظومة من التصورات الفكرية والنفسية والاجتماعية من مثل ( العجز ، افتقاد المعنى، اللامعيارية ، العزلة الاجتماعية ، الاغتراب ، افتقاد العلاقة مع الآخر ، افتقاد الحاجة إلى التعالي والإيجابية المبدعة ، افتقاد الحاجة إلى الانتماء ،غياب تكوين الهوية والتفرد، غياب التوجيه العقلي والمعنوي )(9)

ومن خلال تراكب هذه التصورات الاجتماعية والنفسية والفكرية والسياسية الدالة جميعها على الاغتراب بكافة صوره استطعنا أن نطور مفهوما فكريا قادرا على إستعابها جميعا وهو مفهوم الانفصال سواء كان انفصالا عن الواقع أو عن الآخرين أو عن الذات نفسها أو انفصال مؤسسات الواقع بعضها عن البعض وسيشكل هذا المفهوم فيما أرى معاناة شعورية وفكرية متعددة المستويات لدى الراوي- الكاتب حتى لنلحظ ذلك متجسدا في كافة مكونات الفضاء السردي لديه من شخوص وأحداث وزمان ومكان وسرد ومن أجل تجسيد هذه المعاناة الشاملة ابتكر الكاتب شكلاً جمالياً معقدا كان اقدر على تصوير الدلالة المركزية في روايته فاستخدم تعدد الأصوات والتداعيات الداخلية والمونولوج الداخلي وإعلاء حسن المفارقة والتناقض على بنية المكونات السردية في الأعمال السردية السابقة على قصص فكرى داؤود((صغير فى شبك الغنم)) أو روايته المدهشة الجديدة((عام جبلى جديد)) مشكلة الدلالات المركزية لهذه الروايات، كما نرى عبر بنية الفضاءات السردية لهذه الروايات ـ نرى هذه الدوائر المتعددة المتشابكة من بنية المفارقة والتعارض والتضاد نراها على مستوى الأشخاص والأحداث والزمان والمكان بما يعمق جدة اغترابهم وانفصالهم عن العالم الاجتماعي المحيط بهم.

لكن فكرى داؤود يرتفع ببنية التخييل السردى القائم على الانفصال والتناقض والمفارقة الاغترابية بين الوطن الأم إلى الوطن الغربة،إلى بنية التخييل السردى التجميعي، القائم على المفارقة السردية الأسلوبية – بين الثقافى وعلاقته بالبدائى والشفاهى، ((وترتبط السمة التجميعية للسرد ارتباطا وثيقا بالاعتماد على الصيغ لتقوية الذاكرة ، فعناصر الفكر والتعبير الشفاهيين لا تميل إلى أن تكون وحدات منفردة بسيطة ، بل إلى أن تأتي على هيئة عناقيد من الوحدات كتلك العبارات المتوازنة أو المتعارضة سواء كانت في جمل بسيطة أو مركبة))(10)

ومن هنا ينبع تفسيرنا النقدى لشكل المتواليات القصصية القائمة على التداخل بين ما هو ثقافى وما هو بدائى، كما يخلق فكرى داؤود بنية سردية تأملية نقدية لاتعتمد الحكى السردى كما هو مالوف فى صور الحكى المعتادة بل يعتمد صورة من صور الحكى السردى أستطيع ان أطلق عليها هنا(( السرد العاري))أو (( سرود الظل))التى تستنضب أقصى ما فى بنية الواقع الثقافى والجمالى والمعرفى المحيط به، فيدخل السرد بصورة جبرية دائرة سرد الصمت المبين،أو سرود مكنونان الظل التى تستشرف مكنون الكائنات والموجودات بعيدا عن صورها الثقافية المعتادة فى بنية الواقع والعقل العربى المعاص، إنه يعتمد ويتعمد السرد فى القصة القصيرة لديه سرد الأشكال العارية الخالية من بهرجات وزخرفات التشكيل الكتابيى لأنماط التسلط الرمزى المحيط بنا، فالسرد عند فكرى داؤو يتلبس ذاته السردية الخاصة، ويتلبس الأرواح والتصورات والتخيلات الغائبة عن عقولنا وأرواحنا وثقافتنا، إن ما نطلق عليه هنا(( السرد العاري)) هو أشبه بالدخول فى تجريبية البياض الوجودى حيث نتلاقى مع الحقيقة الوجودية وجها لوجه دون انساق رمزية مسبقة،وتصورات معرفية مسيطرة،نحن نتواجه بحقيقة البياض العارى للوجود: حقيقة الواقع والقيم والعلاقات ، والأنماط والأعراف،والعادات والنساق والنماذج، إنه يغسل العالم من شوائبه وأطره، ويخلصه من أدرانه الفكرية،وكدوراته الأيدولوجية، وأدواته الثقافية الرمزية العامة ليخلق على عينى التخييل السردى التجريبى من جديد ، إن فكري داؤود لا يجسد الاغتراب من جغرافيا إلى جغرافيا أخرى، كما توهم أو تصور معظم النقاد الذين عالجوا مجموعته القصصية ولا أريد أن أحدد هنا بعض النقاد دون بعض فجميعهم تجمعهم رؤية نقدية واحدة مكرورة،وإن اختلفت فى بعض تفاصيلها لزوم اختلاف عقول البشر، لكن داؤود يجسد اغتراب الحضارة العربية والثقافة العربية، ويسائل بنية العقل العربى كلها من جذورها،وإن انطلق أيضا من تاريخيته وحضارته وعلائقه الثقافية المحلية،إنه ينقل فكرة الاغتراب من حيز الوطن إلى حيز الثقافة،ليقرر لنا أن الاغتراب هو مجدر إحلال نمط ثقافى استلابى محل نمط ثقافى إيجابى، إن السرد العاري لدى فكري داؤود يحلق بقدر ما يحدق ، ويحدق بقدر ما يحلق ، إنه يحلق في أفق إنساني وجودي تجريبى كلي ، بقدر ما يحدق في علاقاته الحضارية التاريخية الخاصة، إنه يعلو بالبسيط اليومي إلى الأسطورى والمجازي الخالد . ومن هنا كان التخييل السردي لدى فكري داؤود موازيا للفعل الإنساني نفسه ،وموازيا للوجود العربى نفسه، وكاشفا عن الصمت الخلاق الذي يملؤ خبايا الواقع واللغة والذات والعالم،لقد خاصم الكاتب الثقافة الرسمية وانحل فى بنية فجواتها وشروخها انحلال وجود لا انحلال لغة، انحل فى الكائنات الحية من حولهن ليهجو واقعنا العربى وثقافتنا العربية المعاصرة،وقيمنا العربية، هجاءا مرا قاسيا،ربما كنا أقل وجودا من أجدادنا القردة، وربما كنا نتلهى على طوال سنوات الحداثة العربية بعض القشور نولم نكن جادين حقا حتى نلامس القاع الصخرى للحياة الحقة المنتجة،ومن هنا خاصم هذا الكاتب المدهش الواقع والحضارة والثقافة وانحل فى بنية الكائنات الحية من حوله متمثلا فى عالم القرود،مفجرا هذا الصمت الذي حذفته وغربته حضارة الكلام والانفصال والتنميط والقولبة ، إن السرد يفكك الأسس التقليدية السائدة للاغتراب كما قلت ، بقدر ما يحدق في أسبابه ، ويمسك بتلابيبه الداخلية الجوانية التي تجتاح كافة صور العلاقات الثقافية والإنسانية التي ترسم سطوح العالم والواقع الخارجي إنه يزعزع الطمأنينة الزائفة ، والكلام الذي صار تغطية على الوهم الشائع ، وترسيخا رمزيا لأنماط القيم العامة ، إن أحداث وشخصيات وأزمنة القص تسير وفق نمط فعال من المشاركات الوجدانية الخالصة ، إن التخييل السردى هنا تواصل صميمي مصغي ، لا يشوبه شوب اللغة وأشكال الثقافة الكتابية ، كل شئ يسير في بطء وتلقائية وحميمية وعفوية مع جسد الطبيعة، في مقابل الحياد اللغوى الموضوعي الخارجي والموغل في اغترابه وانفصاله، إن الراوي يمارس تفكيكا سرديا هائلا لجمع مكونات العقل العربي الأخلاقي والسياسي والاجتماعي والحضاري بعد أن انفك عن هذا العقل انفكاكا قاسيا موحشا، إن السرد القصصى عند فكري داؤود يصادر الواقع والذات والعالم لصالح الطبيعة والعفوية والحميمية، إنه يرى اللاواقع فى عمق الواقع، ويصادر هذا العالم بقدر ماصادر إنسانيته ووجوده، ، إن الفن يصادر الأشياء والموجودات وأنماط العلاقات السائدة لصالح إحيائها من جديد ، إنه يهدم ليبني ، ويميت ليحيي ، فهو خلق سردي في النهاية

إن لجوء الراوي لتجسيد حياة الطبيعة وما يمور في أعماقها مورا من أحداث وتصورات وأفكار وشخصيات وزمان ومكان – كل ذلك يؤكد عمق المعاناة لدى الراوي الذي احتضن العالم الطبيعى من حوله واستغرق في أحداث القرود والجبال والطبيعة ، ومن هنا كان الحفر السردي الرمزي في عالم الطبيعة حفرا سرديا تخييليا لمساءلة أنماط القيم والثقافة التي دجت بها الحضارة الكتابية روح العالم من حوله ، ومن هنا كان اتجاه السارد نحو تعرية القوالب والأنماط والأعراف التي استغنت عن الروح بالجسد ، وعن الكينونة بالامتلاك ، وعن الطبيعة بالثقافة ، وعن التدامج الطبيعي الحي بالتحليل والتراتب الطبقي الحاد،فى هذه البلاد العقيمة التى ارتحل إليها أو ارتحل منها، ليس هناك فرق يذكر بين المرتحلين عن أوطانهم فيها((مصر))،أوالمرتحلين عنها إلى أوطان أخرى يرتحل عنها أبنائها فيها أيضا(( السعودية)) السقوط الحضارى والثقافى واحد من المحيط إلى الخليج، ثمة نشيج عربى فاجع يترامى من المحيط على الخليج، يتضح هذا في صور المفارقات السردية المتعددة بين عوالم وأحداث ومواقف تباينة، ومن خلال هذه المفارقات السردية العديدة يفجر الكاتب ركود العالم المحيط بنا ، يصب في شرايينه القلق ويمدد في أعماقه النشاط والتوتر ، وإذا كان جاك دريد يقول : ((" ليس هناك علامة لغوية قبل الكتابة)) " فالتخييل السردي المعانق للطبيعة ، أو المفجر لها من خلال أعماق الثقافة الكتابية ، ثقافة التنميط والنمذجة – كل ذلك يشكل مع مقولة دريد السابقة مقولة تخييلية سردية موازية لها قوامها فيما يرى اجتهادنا أن كل علامة لغوية سردية أصيلة لدى فكرى داؤود وغيره من الكتاب الكبار تعيد الواقع بكافة صوره وأشكاله الثقافية لعالم ما قبل الكتابة، إلى العالم الحسي الطازج الخام ، العالم الملآن بالنشاط والحيوية والاتساق إننا نعود إلى طبيعتنا وطبيعة الأشياء من حولنا ، بقدر تأملنا فيها ، وانفصالنا عن جميع صور اغترابنا التي خلقتها على عينيها الأنظمة الثقافية والأنساق الرمزية والتراتيبات السياسية من حولنا .

إن الأنماط الثقافية ، والأنظمة القيمية التي تحيط بعقولنا وأرواحنا وجميع صور وجودنا، تكتفنا من كل جانب ، إنها صارت بديلا رمزيا عن وجودنا الحسي الحي المباشر، وتكمن مفارقة السرد عند فكري داؤود في كيفية الرجوع بالروح والخيال والوجدان والعقل وجميع صور حساسيتنا الإنسانية إلى اتساقها الطبيعي ، وامتلائها الحسي اللامحدود ، إن الواقع قد امتلأ بالإكراهات الثقافية الرمزية التي تراكمت على نشاط وروح الحياة حتى لفتتها عن جبلتها وهويتها وتوترها الحي الخلاق ، فيعيد التخييل السردى لدى فكرى داؤود مناجزة الإكراه الرمزي الثقافي . بالتخييل السردي الطبيعي ، فلن يفل الحديد إلا الحديد ، إن التفكير في حساسيتنا الروحية من خلال الصورة التخييلية السردية يعيدنا تارة أخرى إلى الطبيعة الكتلية والتزامنية والتداخلية للوجود، وهو يمثل هنا الابتكار السردى لدى فكرى داؤود، والكتلية السردية بين الذات والطبيعة، تنفي الجزئية و تناوىء الانفصالية إن الصورة السردية لدى الكاتب ترى الأشياء والأحداث والناس بوصفهم ذواتا حسية فاعلة ، وليس مجرد أنماط من السلوك ، وقوالب من التصورات ، كما تبدو حركة الزمن السردي فى المجموعة،ملتصقة ببنية الحدث لامتنامية من خارجه،فهى جزء منهه غير منفصلة عما يحدث ، إن الحركة وما يحدث فيها يقيمان في لحظة سردية واحدة

لقد قلنا من قبل بأن فكري داؤود يرتفع في أشكاله السردية التي يطرحها في هذه المجموعة عن هذه التصورات التقليدية لتجسيد السرد المغترب الذى عنى به كثير من الروائيين العرب المعاصرين في مصر وخارجها ، وليس الوقت كافيا لعرض كثير من الأعمال السردية التي جسدت هذه الرؤى ، لكن يكفينا هنا أن نحدد الفارق التشكيلي والدلالي النوعي الكيفى بين أشكال السرد لدى فكري داؤود وغيره من روائي الاغتراب في سردنا العربي المعاصر، وهذه النقلية السردية النوعية لديه تتمثل في الانتقال ببنية السرد من تناقضات الأمكنة والأزمنة و الأنساق الحضارية والثقافية العربية المتعددة ، إلى مساءلة بنية التناقض والتفكك والانهيار الكامنة في بنية الثقافة العربية والعقل العربى نفسه، لقد وعى فكرى داؤود بحس الفنان الخلاق، بأنه لا فرق في هذا التناقض والسقوط والفوضى بين بلد عربي وآخر،الكل في الهم شرك ، ومن هنا فقد ارتقى الكاتب بمنطق الجدل السردى المغترب من بنية الانفصال ليسائله من خلال بنية الاتساق الثقافى العربى الزائفة والممعنة فى أسطوريتها ومراوغتها الأخطبوطية، إن فكري داؤود يعتني فى أشكاله السردية بمساءلة العقل العربي المعاصر، يريد أن يحرك أوجاعا دفينة،ظننا أننا نسناها، وأوهاما عامة متشابكة ومتسقة ومعقدة ونظن من خلالها باننا متسقين مع أنفسنا وواقعنا والعالم من حولنئ في القسم الأول من المجموعة والذي عنونه السارد بـ( صالحة وابن القرود ) تأتي قصص ( في حضن جبل متعدد الرؤوس – شغب – صغير في شبك الغنم – عرس – من أحاديث البر – طلقة برية – مناوشات على وجه الصباح ) حيث تتعدد صور المفارقة السردية بين ما هو طبيعي ، وما هو ثقافي من خلال بنية الفضاء السردي، والكاتب يوظف شكل المتتالية السردية المتنامية ، غير أننا لا نلحظ لونا من ألوان الاتساق الجمالي والدلالي بين القسم الأول من المجموعة والقسم الثاني الذي عنونه السارد بـ ( طعم الفستق) وأنا لا أقصد هنا انبتات الأواصر الجمالية والمعرفية بين القسمين بما يوقع التناقض والتفكك في البنية الشكلية للمجموعة، بقدر ما أقصد اضطراب النمو الجمالي الموحد بين العلمين، والاضطراد التشكيلي الدال بين القسمين ، فعلى حين يبلغ التشكيل السردي مداه وذورته من الكثافة والتشابك والانفتاح الجمالي والدلالي في القسم الأول ، نراه يهبط هبوطا ملحوظا وغير مبرر جماليا في القسم الثاني ، وكان من الأولى أن يضم الكاتب قصة ( أغنية حزينة للعصافير ) إلى مجموعة القسم الأول ، كما أنني عانيت معاناة شديدة في وعي دلالات وأشكال بعض القصص في القسم الثاني لكني لم أفلح ومنها قصص ( أولياء ومريدون – بنات الإفك ) .

في قصة ( في جبل متعدد الرؤوس ) تبدأ الجملة الأولى بداية قدرية ( جمعت المقادير بينهم – بدا التباين كبيرا بين ملامح ثلاثتهم اجتمعوا على الوطن الأم ، وعلى إعارة طال انتظارها ، وعلى تلك الديرة – القرية – البخيلة بني أدم ، وبالجمال والأغنام والغزلان ، والكريمة كرما طائيا بأسرابه ، ذلك الجد القديم القرد ) ، ليس ثمة إرادة أو قصد فيما حدث ، نحن مخلوقات غير فاعلة ، تنتفي الغاية من وجودنا ، ويرمينا القدر حيث يريد ، وعندما تكتمل الأحداث ، والسياقات ، تبدأ في وعيها وممارساتها ونقدها أحيانا ، ولكن يبقى الوعي سابقا على الماهية باستمرار فيما تطرحه البدايات السردية هنا، ، حيث نجد السلطة لا الحرية ، التنظيم لا الطلاقة ، النمذجة والتقنين والمؤسسة ، لا الفردية والإبداع والقدرة على ممارسة أشواق الذات ، هذا ما نتبنيه في هذا المطلع السردي وسيظل ممتدا على طوال البناء السردي لهذه المجموعة ، لكن الفن غير الواقع ، الفن يرفع الواقع إلى واقعية الحقة ، ويرصد إمكانات وطاقات بديلة تكون كامنة في بنية الواقع نفسه ،قد تبين ولا تبيين ، وعندما احتدمت بالكاتب أزمة تحقيق الذات في عالم رمزى أسطوري في وحشته ووحشيته قرر أن يخلق عالمه السردى البديل و لكن لن يستطيع أي كاتب جاد أن يجاوز واقعه إلا من خلال وعي عميق متعدد المستويات لبني واقعه الحضاري الذي يتحرك فيه ومنه وإليه ، إن القدرة على المجاوزة مرتبطة بالقدرة على الوعي والاكتشاف والحفر ، ومن هنا جاء هذا الالتصاق السردي بجسد العالم نفسه عند فكري داؤود ، الالتصاق بروح الجبال والوديان والبراري والمخلوقات وكان الجبل هو بنية المكان القصصى، ذلك الصامت الأرعن الطافح بالأسرار والدلالات والغوامض هو العالم الجمالي والمعرفي البديل، عن عالم وحشى في قيمه ، أسطوري في عنف مناوئته للآخر ، عالم دشنته حداثة تكنولوجية شائهة خرجت من رحم الثورة النقطية بولادة قيصرية ، فلم تتنامى المجتمعات التقليدية العربية الحديثة سواء فى الخليج أوغيره من الأقطار العربية ـ على تفاوت فى الدرجة بالطبع ـ نموا طبيعيا ، لم تتفكك عن بناها المجتمعية التقليدية في الاقتصاد والسياسة والثقافة والاجتماع ،لتعيد بنائها بناءا هيكليا كليا من داخل بنى المجتمع، بل نبتت نباتا تغريبيا منة خلال الاستلحاق التكنولوجي والحضاري بالحضارة الغربية نفسها ، إن التطور العمراني في دول الخليج ، بله البلاد العربية جميعا لم يكن نتيجة حضارية حتمية لأسباب عمرانية طبيعية، بقدر ما كان تفككا ذاتيا ، وتناثرا تكنولوجيا ، وعلوقا بأجساد الآخرين وقيمهم وتصورات أنساقهم الفكرية ، ومن هنا كان هذا الانعزال الموحش الفاجع لهؤلاء المدرسين المعارين حسين وصلاح والراوي وإبراهيم ، فبعد أن عجزوا عن خلق شروط حريتهم المادية والاجتماعية في وطنهم أرادوا أن يستبدلوه بأوطان أخرى ، فإذا هم مثل المستجير من الرمضاء بالنار ، الوطن العربي كله يسبح في جحيم واحد ، وإن اختلفت درجات جمره من قطر إلى قطر ، ومن هنا لا نستطيع أن نتأمل هذا التشكيل السردي لدى فكري داؤود على أنه انعكاس جمالي لتجربة الاغتراب ، وأوجاع المهمشين ، كما تصور معظم نقاد هذه المجموعة ، بل نستطيع أن نرى التشكيل القصصي من خلال مدخل أكثر جدية ، وأعمق تأملا ، أقصد من خلال هذه المفارقة الكامنة كمون السرطان في بنية الواقع العربي المعاصر بين الثقافي والطبيعي ، والتي تعكس بصورة من الصور أوجاعا جمالية ومعرفية عديدة بين عنف السلطة ، وأشواق الحرية، إن فكري داؤود في قصة ( جبل متعدد الرؤوس ) يترامى إلى الطبيعي الكوني ليعيد مساءلة الثقافي والرمزي والسياسي إنه يحس عافية عقولنا وأرواحنا من جديد ، ولعل السارد كان دقيقا في مقطعه السردي السابق عندما آلمه بخل القرية والديرة بالبشر،فاستبدل الشر وما يتعلق بهم بالطبيعة، ومن هنا كانت الإشارة السردية للمفارقة بين بخل الواقع بالبشر، وثراء الطبيعة بالحيوية والطلاقة، ولعل هذه المفارقة سوف تتنامى على طوال البناء السردي لهذه المجموعة متخذة أشكالا سردية أكثر عمقا وأصالة ولكن ما يهمنا هنا منذ اللحظة الزمنية الأولى للسرد وقوفنا أمام كائن طبيعي صامت لا يحد مكانه حد وهو الجبل، إذ ينفتح المكان هنا على الأبدية ، وينجر إليه الزمان الذي ينطوي بدوره على غرائب الأحداث ، وعجائب السلوكيات والتصرفات البشرية والطبيعة معا ،إن فكرى داؤود يعيد إلينا ((صعلكة السرد)) من جديد،الصعلكة بفهومها الجمالى والمعرفى إن القص يضعنا منذ اللحظات الأولى في عالم التمرد والتأمل والمراجعة والكشف ، بل يضعنا في عالم النصبة والصمت بتعبير الجاحظ ، الذي اعتبر النصبة وهي الحال المبنية بغير لسان أحد مراتب البيان والتصوير،والكاتب فكرى داؤود ينقل هذه المستويات التصويرية، لهذه النصبة من مستوى الإبلاغ السردي العادي إلى مستويات التخييل السردي القادر على التحديق في الواقع إلى درجة الدخول فيه حقا، وكشف اللثام عن الأسرار القادرة على هز ثوابت الواقع، ومراجعة كثير من تصوراتنا وأفكارنا وقيمنا عن ذواتنا وذوات الآخر وصورة العالم من حولنا ، لعلنا نتذكر هنا صورة جبل ابن خفاجة الأندلسي ، الذي وقف أمام جبله الأرعن الطماح الذؤابة ، الباذخ في جلسته مطاولا أعنان السماء بغواربه والتواءاته ، إن فكري داؤود عندما يجعل الجبل متعدد الرؤوس فهو ينذرنا منذ البداية بعوالم متعددة من التفكير والتأمل، ، يذكرنا بآلام وآمال ثرية ، ولنتأمل لوحات السرد، يقول السارد بضمير الغائب واصفا صالحة وعلاقتها بالطبيعة السعودية من حولها "(( ثلاث نعجات نحيفات مكسورات الخاطر – لصالحة – يقتتن نباتات شيطانية هزيلة حول البيت في سفح الجبل حدوة الحصان يتعاون – النعجات وصالحة – على الحياة – يمتد خروجها إلى الشعاب القريبة .... بحزم الحطب تعود ، لا يبدو من خمارها سوى حبتي عينيها جريئتين حادتين فكأنما تتحديان القهر والتقيد وقلة العدل)) .

إن عزل الجسد عن الحياة في المشهد السردي السابق له دلالته الحاسمةإذ لا يظهر من جسد صالحة غير عينين حادتين بدتا لتنظران إلى القهر وقلة الحيلة أكثر من النظر إلى جسد الحياة نفسه ، إن تجلى الجسد بهذه الصورة هو تجلي لطبيعة الأنساق الرمزية التي عنيت حضوره الفاعل على هذه الشاكلة الوجودية المنعزلة والمعزولة فى هذه البقعة من العالم، ، ولعل في تصوير السارد هذا العناق الجسدي بين صالحة والقرد ما يردنا بعمق إلى هذا الهدر الوجودي الفادح لكينونة الإنسان نفسه ، وخروجه عن طوق ذاته ليرتمي في أحضان جسدية كونية مطلقة ، إننا نفرط في أجسادنا وعقولنا وأرواحنا عندما لا تنفتح انفتاحا حيا مع جسد الواقع ، وجسد الثقافة ، وجسد التواصل الاجتماعي الخلاق ، إن خروج جسد صالحة عن بنية الأجساد الآدمية لترتمي في حضن قرد هو خروج لجسد المجتمع كله لاحتضان عالم بديل قد نجد فيه الأمن والعدالة ، ولكنه خروج أشد وطأة ، وأقسى حرمانا من الانطمار المطلق تحت غطاء الجسد غطاء مطلقا ، إننا عندما محاصرون من الداخل ، نقفز قفزات قاتلة إلى الخارج ،لكننا نخدع أنفسنا بالحركة، وهنا لابد أن نقرأ دلالات ما وراء السرد ،فالتخييل السردى يترامى دائما إلى ماورائه، فالسرد هنا يفرق تفرقة عميقة بين الجسد السياسي ، والجسد الإنساني فعندما تتقولب الأجساد البشرية في غواشي القهر والحاجة تتحول إلى جسد خارجي ، جسد بيولوجي ، يتجلى الجسد بوصفه معطى خارجيا لا ننتمي إليه ولا ينتمي إلينا ، يصبح الجسد هنا علاقة فجة عبر سطوح الخارج ، لا علاقة حية مشتعلة عبر عناق الروح والفكر والجسم .

يجب ألا ننظر إلى هذه المنظومات الثلاثة ( الروح – الفكر – الجسم ) بوصفها وحدات منفصلة في بنية الكائن الحي ، بل هي تمثل في جوهر الأمر هذا التداخل الكلي الحي لوحدة الكائن في مباشرته لذاته وواقعه وطبيعة الحياة من حوله ، وهو أمر يعكس في النهاية جسد المنظومات السياسية والاجتماعية والفكرية والحضارية التي نتجسد بها في العالم ، أو يجسدنا الواقع من خلالها ، ولنتأمل مشاهد سردية أخرى لدى الكاتب حتى نتحقق مما أوردناه هنا ، يورد السارد في قصة ( من أحاديث البر ) مفارقات سردية عدة بين مكونات الجسد الطبيعي للقردة حال تفاعلها مع أحداث الحياة ومكونات الجسد الآدمي في علاقته بواقعه ، يقول السارد واصفا بضمير الغائب حال الآخر – القرد في رؤية جسده: (( كانت ذارعها اليسرى موضوعة فوق كتفه – ذلك الذي نبهتنا صرخته بينما تلتف ذراعه هو اليمنى حول ظهرها واصلة من تحت إبطها الأيمن لتنام أصابعه فوق صدرها ، وأصابع كفه اليسرى تشارك أصابع كفها اليمنى التشابك ، تدب الحياة في نصفها العلوي ، بينما نصفها السفلي مدهوسا يزحف فوق الأرض كقطعة خيش قديمة تأخذ حفتها التي تساوي خطوة واحدة من الزمن ما يساوي دهرا من العذاب ، يسيطر عليها أنين ممتد يصب الألم في العظام)).

وفي مقابل هذا الاحتفاء الحي الدافق بالروح والعناق والتواصل في جسد الطبيعة ممثلا في جسد القرد المجروح في مقابل ذلك: يقف الجسد الآدمي معزولا باردا فجا يقلص طبيعة النسق القيمي والثقافي الذي ينتمي إليه ويعبر عنه، ويرسم رؤيته للعالم من حوله، يقول السارد على لسان سعود واصفا حال القردة المجروحة:

قال سعود – الذي لم تبد ملامح وجهه تأثرا يكفي من وجهة نظرنا:-

ربما راحت ( تتغالس ) على أحد راكبي السيارات الغريبة .

إن المفارقة الفادحة بين التصور الآدمي الفج لأنين الجسد ، والتصور الحيواني الطبيعي الدافق بالحنان تعيدنا بقوة إلى مدى السطحية واللاعقلانية والقسوة التي تجتاح النظمة الثقافية للبشر، في مقابل الحنان والرحمة والتعاطف الخلاق بين أجساد الحيوانات التي لم تدجن بعد في أنساق رمزية ثقافية تجفف فيها منابت الوعي ، ومرامي العطف ، وانظر إلى هذا التعاضد الجسدي الحيواني الفياض حول جسد القرد المجروح " (( من حول القرد – الزوج – الذي نال منه الإرهاق والحزن كل منال كانت هناك قرود أربعة متفاوتة الأعمار ، تلف بها وتدور أرجلها وتربت أيديها ظهري كل من والديهم المكلومين)) .

إن هذا التشابك والعناق والحنو في تعبيرات ( تلف بها وتدور أرجلها وتربت أيديها الظهور – كانت ذراعها اليسرى موضوعة فوق كتفه – بينما تلتف ذارعه هو اليمنى حول ظهرها واصلة من تحت إبطها الأيمن لتنام أصابعه فوق صدرها ) . إن هذه الصورة السردية النافذة التجسيد لروح الطبيعة في حنوها على الجسد ، وتراميها إلى ما ورائه وانغلالها فى نبع الحياة الكامن في أحشاء الجسد تعمق حس المفارقة والتناقض بينها وبين وعي البشر بأجسادهم ، ورؤيتهم لجسد المجتمع والواقع وأنساق القيم التي تحكم بنية الوعي لديهم ، نرى هذا في تعليق أحد أفراد القصة وهو صلاح الساخر على مشهد عناق القردة المجروحة قائلا : ((" يعني فاتن حمامة يا خي ، كان سؤاله الساخر موجها إلى القرد الزوج الذي ما تزال محاولات مساندته لامرأته مستمرة "))

ثم في لمحة جمالية عبقرية من السارد نراه يعلق على ما حدث :

انخلق حوار في غير أوانه .

حسين: يا رجل !! بلا فاتن قل مرفت أمين ؟

صلاح: سيدة الشاشة يا جاهل ألا تعرف ؟!

حسين : والله يا صلاح لو وقع بصرك على صدر وساقي مرفت وهي خارجة على السلم الحديدي لحمام السباحة في أحد أفلامها لقلت حقي برقبتي .

صلاح: أنت...حسين: بل.........))

وفي مقابل هذا الهذر والتفكك والتراخي فى رؤية الأجساد الآدمية، نرى الجسد الحيوانى حارا متدفقا بالانسجام والاتساق والحياة، يقول السارد مكملا وصف حال القردة المجروحة:

( الزوج يطلق إحدى صيحاته بين الفنية والأخرى ، والتي لا تعي عقولنا بالضبط أهي تفريغ لشحنة كبت ما بداخله ؟ أم طرد لمزيد من الإرهاق الذي ينهش قواه ، أم ترى ممن يطلب العون ؟؟ )

إن المتأمل في هذه المتقابلات السردية الجسدية بين وعي الطبيعة بجسدها، ووعي الثقافة ممثلة في تصورات البشر يدرك مدى التفاوت الفادح بين التصورين، مما يثير عديدا من التساؤلات والكشف والحفر على حقيقة الأشياء والأفكار. إن أشكال حضور الجسد في الحيز الطبيعي أو الثقافي يؤدي بنا إلى تحليل أنظمة الحياة وأنظمة الثقافة ، أشكال المجتمعات البشرية وطبيعة نظام القيم السياسية والاجتماعية التي تحركها ، وطبيعة الأشكال الطبيعية التي تتجلى في الطبيعة من حولنا .

إن الجسد في العالم الطبيعي وكما يتجلى في السرد السابق يبدو حيا متوهجا بالروح والتواصل الفطري الخلاق ، بينما يتجلى في الأجساد البشرية بوصفها رموزا لطبيعة البني الثقافية التي أفرزتهم فيبدو الجسد فجا ميتا يتراكم عبر الحوار الفج السابق في غلظة بيولوجية ، لا يتواصل مع الروح ، بل يكون مجال تعليقات خارجية كما حدث مع أبطال القصة ، لا يبدو الجسد هنا ملتفا حول روحه ، ولا تبدو الروح طالعة من نضارة الجسد ، الجسد تراكم وسطوح وبرودة ، وليس تدامجا وأغوارا وفعالية ، إن الكاتب فكري داؤود يريد إن يناور الواقع العربي المعاصر من داخله ،عبر مكوناته الحميمة المتمثلة في جسده وجسد ثقافته ،إن الكاتب عندما ينغل في أعماق السرد مصورا جميع التفصيلات الجسدية عبر سياقات شعورية وفكرية متعددة فإنه لا يخلق شكلاا قصصيا فقط ، بل يخلق شكلا وجوديا أيضا ، إن الشكل القصصي هنا هو شكل العالم ، وأي تخثر وانفكاك وتناقض في بنية الجسد السردي ، هو تخثر وتفكك في بنية الواقع نفسه ، يقول السارد معلقا على ما حدث بضمير الغائب الذي يتيح له فرصة خلق مسافة موضوعية لتأمل ما حدث:

((" استولت سيرة تلك الأسرة ( القروية ) على اهتمام هذا الجمع الآدمي الغير متسق ( مدرسان وبدوي أمي يجيد كل أنواع الصيد ، بنت يتيمة تمتلك جمالا خاصا ترقب عيونها المشهد من موقع آخر مجاور تشتهيه كل النفوس ، أطلق مسعود قسما أن ينهي هذا الهراء – من وجهة نظره – بنفسه مستعينا بعيني بندقيته " . ))



إن الإنسان هنا لا يشارك في روح العالم ، وجسد الواقع ، إنه مخلوق فج التصور يرقب العالم في حياد الأموات ، بل يتعدى ذلك إلى سطوة الاعتداء متمثلا في رغبة سعود في إطلاق النار على الروح والخلق والتعاطف الطبيعي الحي ،إن الإنسان لا يقتل نفسه فقط بل يقتل غيره أيضا إن صورة السلاح التكنولوجي هنا في جدله مع الطبيعي تجسد لنا مأساة الحداثة العربية بصورة عامة ، ومأساة الإنسانية كلها بصورة خاصة ، ويؤكد لنا أن الحضارة الكتابية لم تكن وريثا شرعيا خلاقا للحضارة الشفاهية والطبيعة ، إن الإنسان عندما انفصل عن الفطرة بالفكر ، وعن الممارسة الحية بالتأمل البارد وعن التدامج الحي بالأشياء بالانفصال عنها – عندما فعل الإنسان المعاصر ذلك لم يكن متحضرا بقدر ما كان متخلفا ، تحضرت الآلات ، وانحطت الذوات ، تقدم الإنسان من خارجه ولم ينمو من داخله ، صار الوجود قشرة براقة فاقدة للمحتوى الحيوي النشط ، إن الثقافة والرموز تقتل بقدر ما تحي ، وتخفي بقدر ما تظهر ، إن الطبيعة والفطرة كانا يشاركان في السر والتسامي والتعاطف ، أما الثقافة والعقل فكانا يفضان حرمة السر ، ويهزآن بالروح والخيال والشعور ، لقد فرحنا أن أخضعنا العالم والواقع من حولنا لرؤانا وتصوراتنا وأنساقنا، ونسينا في خضم هذا الفرح الزائف بأننا نشارك في وليمة اغتيال ذواتنا وهدم أرواحنا ، وممارسة الوجود بوصفه موضوعا لا حياة نشطة خلاقة واستمع معي إلى كيفية مشاركة الجسد الطبيعي في عرس الحياة وزهوها وفتوتها وارتباط لذة الوجود بحيوية الجسد فى القصة البديعة(( عرس)) حيث يصور السارد في قصته شجارا جسديا بين قردين للفوز بالحبيبة والسيادة،يقول السارد:

( علا الغبار أرض المعركة ، راحت تسمع صرخات متألمة وارتطامات عنيفة للأجساد بدا قرص الشمس مصغرا يتعجل الرحيل ، خمدت حدة الغبار بعض الشئ ، وصلت للآذان صرخة ألم أسيانة انخلقت لها قلوب الرعية ، رحلت غبشة الغبار كلية ، كشفت عن الدماء المتفجرة من عين ذلك الذي سيطر عليه الوهن ، وتشبع جسده بسواد صفة مزيج من العرق والتراب ، واستغرقته محاولات مستميتة لتخليص بدنه المنهك من تحت كتلة العضل المفتولة ، ثم راحت به أقدامه متثاقلة في اتجاه الغروب ، عندها ارتفع تهليل المبايعة للملك الجديد ) .

ربما يمسك القارىء قلبه حتى لا يتقافز من صدره وهو يقرأ هذا المشهد السردى البرناسى الصارم فى تشكيله التصويرى،ففي هذا المشهد السردي الرائع الذي يكاد يكون تقطيرات جماليا خالصا ، وسيطرة تشكيلية موغلة في اقتصادها التعبيري نتبين كيف تتحول طقوس الصراع الجسدي الحي إلى حياة ، وكيف ترسم الأجساد نفسها بعرقها ودمائها وغبارها ملحمة الحياة نفسها ، هنا لا نجد المفارقة والتناقض والتفكك في بنية الطبيعة بل نجد الاتساق والتداخل الحي الصاهر لبنية الكائنات والأحياء حقا إن البقاء للأقوى بالمفهوم الغرائزي الوجودي للحياة ، ولكن بنية الثقافة العربية عندما أطرت أجساد البشر وعقولهم وأرواحهم ومرامي خيالهم في أطر ثقافية خادعة بل موغلة في أسطوريتها المغتربة – قد حولت مظاهر الصراع والحركة والحياة بين البشر إلى أشكال للضبط والقهر والانحباس الوجودي ، لم يعد التنامي في بنية الثقافة والذات والواقع للأقوى ولا للأصلح صار الصراع للأخدع والأروغ ، استبدلنا الغرائز بالتقاليد ، والروح بالوهم ، والخيال بالكوابيس ، صار سفرنا خبط عشواء وذلك مايتجلى في قصة ( سفر ) التي يبدؤها الكاتب بحالة التقوقع والضؤولة والمحو ، يقول السارد على لسان طفلته المستوحشة من سفره

((متقوقعة كانت في حجر جلبابه ، قالت وهي فيما يشبه الحلم :

أبي – لا أحب البرد ، البرد يؤلم عظامي

تأكدت يد الوالد من بسط طرف فستانها الصغير فوق ساقيها النحيلين ربتت اليد الأخرى ظهرها قال:

نحن في عز الصيف يا منى

قالت : لم السفر يا أبي ؟

قال : لآتي لكم بفلوس كثيرة

قالت عيناها: أبي هاهي الفلوس الكثيرة، ماذا تريد ؟!

ومن بين أصابعها المرتجفة تسربت شلناتها الفضية التي كانت تسكن حصالتها الصغيرة )

لقد عنون الكاتب لقصته بالسفر،وهو عنوان حمال أوجه ، تتعدد فيه الاحتمالات والتأويلات ، وحسنا فعل الكاتب عندما أراد بنا هزة القلق وعدم التسليم إلى يقين المعنى الواحد ، وقديما قيل إن بالسفر سبع فوائد ، لكن الكلام القديم كان متسقا مع ذاته وحضارته ، أما السفر العربى المعاصر فقد انفك عن أهدافه وحضارته معا ، صار السفر العربى المعاصر سفرا باتجاه الأشياء والمشتريات والممتلكات ولم يعد سفرا باتجاه الذات حتى يكون فيه الفوائد ، إن السفر الحديث عند فكري داؤود سفر فيه الغرائب المؤذية، والعجائب المردية، لا الفوائد والفرائد ، نحن تفكر بنا الأشياء والتصورات كما يروج له الواقع المدجن والمسيس ، ولا نفكر في الأشياء من خلال ذاتها فكرا نقديا متواصلا ، حتى تنتهي حدتها الاستهلاكية المتطرفة ، إن التحكم القيمي المعاصر فيما تبين قصة ( سفر ) هو تحكم خارجي سطحي هش ، لم تعد القيمة نابعة من الداخل الحي الخلاق ، نحن عبيد الحضارات الأخرى ، لا صناع حضارة خاصة ، يقول محمد أمين العالم فى كتابه ((مفاهيم وقضايا إشكالية)) : ((" لقد أصبح الإنسان الحديث يسعى لاستحداث كل شئ في حياته دون أن يكون وراء ذلك الاستحداث أي جديد أو تغيير حقيقيين ، بل هو مجرد تغيير مظهري جزئي ترفي استهلاكي ، بل لقد أصبح هذا التغيير المظهري بديلا عما ينبغي أن يتحقق من تغيير جذري حقيقي لحياته ، وهكذا باسم عبودية الحداثة تغيب الحداثة ، ويتكرس النظام السائد ، ويعيش الناس في حداثة زائفة))(11)

إن الراوى يستهلك حياته من خلال ساعات عمله التى هى ساعات عمره لشراء الأدوات، التى يرى فيها ضرورة لتحقيق سعادته،فى حين انها استلاب لسعادته، فيحدث نوع من تسلط الإنسان ضد ذاته،يقول هابرماس فيلسوف الحداثة(( تتدخل الهيمنة والسيطرة إلى داخل الوعى الفردى ذاته بعد ان اكنت تأتيه من الخارج، ويصبح افنسان متسلطا على نفسهنويفقد حريته فى اختيار صورة الحياة التى تتفق مع إمكاناته،والتى تساهم فى تقدمه الروحى والإنسانى،ويعتقد توهما ان حريته هى ان يفاضل بين السلع الاستهلاكية التى يختارها بمحض إرادته وهو فى الحقيقة قد اختارها نتيجة للدعاية التى تحيط به من كل جانب))(12)

لقد أبان فكرى داؤود فى قصته((سفر)) بأننا لا نسافر سفرا قاصدا ، نحن نسافر إلى غير غاية ، نحن نفرط في الروح والالتصاق الحميم ، لننشئ علاقات وجودية في هيئات عينية ممسوخة متمثلة في صورة المال ، أو إعطاء الحياة رفاهية فارغة ، نحن نعاني من اختلاط الاتجاهات ، فنتصور الحياة الحقة سفرا لجمع الأشياء ، بينما تتسرب الحياة من بين أيدينا ، وترتجف الطفولة كما صور السارد في نهاية قصته نحن نستخدم أجسادنا ضد أجسادنا ، وعقولنا ضد عقولنا . ونمارس عدا تنازليا معينا، نرى هذا أيضا في عنوان القصة البديعة: (( عد تنازلي ) حيث تنعقد المفارقة منذ عنوان القصة ، المفارقة بين أن نعد أرقامنا أو أرقام وجودنا لأعلى على حين يكون عدنا لأسفل دون أن ندري ، نحن نخترق الموت إذ نخترق الحياة ، إن ( حسبة الحياة ) مهزوزة في تصوراتنا حيث الأب المسافر يداعب ابنته بالعد على أصابعه من خلال سؤالها عن وقت انتهاء غربته ، وإنهاء سفره يظل يعد لها على أصابعه دون أن يتكلم إنها طفلة صغيرة لم يكبر وعيها لتأطير الحياة في أرقام وصور وأنساق بعد ، فيلاعبها الأب بلغة الجسد الصامتة الناطقة الموجعة معا ، إن المراوغة والوهم هما عماد وجودنا ، نحن نظل نجمع الأرقام، ونستخدم الأرقام، بينما نحن في الحقيقة نقضي على أجسادنا وقوانا ونلاشي بهجتنا، إننا كما سافرنا من قبل سفرا غير قاصد، نتحرك في وجود تنازلي أيضا ،وجود لا يصعد إلى أعلى أبدا ، إن المفارقة هنا بين الرقمي الإشاري لدى الأب المغترب، والحسي الجسدي لدى الطفلة النضيرة يجسد هذا التناقض الفادح بين أفكارنا عن الحياة والحياة في ذاتها ولذاتها ، إن اغتراب فكري داؤود ليس اغترابا جغرافيا كما قلت من قبل: يعاني فيه وطأة الوحشة بين بلدين جد مختلفين قيما وثقافة وحضارة ، وليس اغترابا رومانسيا مثاليا يعاني فيه واقع الكاتب شقة الاتصال بالمثال ، وليس اغترابا واقعيا اشتراكيا أو نقديا أو حتى جدليا ، إن اغتراب فكري داؤود اغتراب ثقافي قيمي حضاري ،اغتراب فى جسد الثقافة نفسها،ينتمي إلى تيارات ما بعد الحداثة التي أولت الجسد عناية فلسفية وجمالية كبرى بوصفه عودة جذرية لأنثر بولوجي الوجود الحسي للإنسان ، كيف نتجاوز التجريد إلى التجسيد ، كيف نهرب من الأرقام لنلتصق بأرواحنا وأجسادنا وجسد الواقع من حولنا ؟ يقول الفيلسوف الهندى الدكتور ديا كريشنا: ((إن الإنسان لا يوجد في عالم مجرد بل في عالم يخضع دائما لنظام اجتماعي وإلى حد كبير له مغزى اجتماعي ، لكن بالرغم من النظام والمغزى الاجتماعيين الذين يجدهما الإنسان جاهزين أمامه منذ مولده ، فإن عليه أن يعيد هذا التنظيم وذلك المغزى مرة أخرى من خلال نظريته الفردية))(13)،ومن خلال صدع الذات للواقع ، وتفكيك الخيال لأنسجة الأنساق الثقافية المحيطة بنا استطاع فكري داؤود أن يعري عالم الكبار من خلال حكى عالم الصغار، من خلال الأسئلة الفلسفية البريئة والمدهشة التى طرحتها طفلته لقد صمتت اللغة السردية على طوال القصة ارتبكت الأنظمة اللغوية أمام دهشة الطفولة ، ومارس الكاتب كشفا سرديا رائعا بما يعيدنا تارة أخرى إلى ما أطلقنا عليه من قبل(( السرد العارى)) وقد تم ذلك من خلال لغة الجسد فى القصة ، متمثلة في أصابع الراوى التي يلاعب بها طفلته إذ يجيب عن سؤالها ، إنها إجابة من وراء حجاب ، إجابة الحرج الغلاب وليس هذا الحرج والصمت وتعطيل اللغة غير اكتشاف للمفارقة الهائلة بين عطب النظام اللغوي السياسي والاجتماعي والمادي ، وطلاقة الجسد الطفولي ، لقد حدثت القطيعة بين الكاتب ولغته ، وبين سؤال الطفلة وإجابة الأب ، ومن ثمة كان على الفنان الكامن في داخل الأب المجيب أن يأخذ العالم على عاتقه ، لكي يعيد تكوينه من جديد من خلال لغة حية اشارية جسدية بدلا من إن يكتفي السارد بتقبله على علاقة وعبثه وتخثره إن انسلاخ الكاتب عن لغته فارا إلى لغة الجسد ، هو انسلاخ للعالم عن نظمه وقيمه .

إننا أنظمتنا اللغوية والثقافية والسياسية في جميع قصص فكري داؤود تمارس ضغينة مقيتة ضد أنفسنا وضد الواقع ، وضد جميع صور الحياة من حولنا ، والكاتب إذ يكشف ذلك عبر التخييل السردي يعيدنا من جديد بتعبير رولان بارت إلى ((درجة الصفر فى الوعى والرؤى))، وهو ليس صفرا على الحقيقة كما يقول بارت لكننا نقترح هنا مقولة أخرى تتمثل فى درجة ((الصفر المنهجي الخلاق)) فالسرد إذ يمحو شرعية المؤسسات الثقافية ، والأنظمة الرمزية التي تؤسس للوعي والذات والواقع – يبث من خلال التخييل واقعا بديلا ، إنه يمارس آليات الهدم والبناء معا، وهنا تكمن القيمة المعرفية والجمالية للمفارقة فى الفن حيث تتجلى وظيفة الفن الأساسية كما يقول الدكتور ساسين عساف في: ((" رؤية الأشياء وليس النظر إليها ، فالعالم يبقى بين يدي الفنان مادة طبيعية يستخدمها للتعبير عن نفسه ، يحل بها ، ويحلها فيه ، يضفي عليها مشاعره ، يلونها بدمه لا يقبل صورها الناجزة لا ينسق أحوال فكره وشعوره وفقا لها ، بل يسعى جاهدا لتنسيقها وفقا لأحواله في تحديده المطلق والمجرد وإضاءة المعتم في الخارج وفي الداخل))(14)

إن الفن نوع من المحو الخلاق ، والنفي المنظم ،والهدم البانى،إن إفراغ الواقع العربي والبني الثقافية من محتويات الوهم،ورموز الخداع ، وشائهات التحديث الحضاري الهجين هو إعادة جمالية لتأسيس هذا الواقع من جديد ، وفق أسس معرفية وإنسانية جديدة والمفارقة إذ تلحظ تناقضات الواقع وانفكاكه عن ذاته تحرره من الشرعية الوهمية حتى ترقى به إلى وجوده الحقيقي الفعال، ومن هذا المنطلق كانت بلاغة المفارقة عند فكري داؤود قائمة على مفارقة المشاهدة التهكمية الاحتجاجية لا المراقبة الحزينة ، مفارقة الانغلال في حسيات العالم وتفاصيله المرئية واللامرئية، وليس مفارقة التأمل المثالي المغترب كما تصور معظم نقاد هذه المجموعة ، بل ترقى بلاغة المفارقة عند فكري داؤود لتكون مدخلا جماليا ومعرفيا كليا يرى الكاتب الواقع الحضاري العربي والإنساني من خلاله ، وقد شاهدنا ذلك من خلال مفارقة الألفاظ والصور والأحداث في بنية السرد.


بلاغة مفارقة الحسى والتجريدى:




لعل الكاتبين محمد شمخ وعبد الوهاب الشربيني يقعان قريبا من بلاغة المفارقة البدائية والثقافية عند فكري داؤود ، ولكنها أقرب إلى ما أطلق عليه " بلاغة مفارقة الحسي والتجريدي " .إن عبد الوهاب الشربيني في ( إنسان عادي ) ومحمد شمخ فى ( لسع النعناع ) يجسدان صورا سردية عديدة للمفارقة نجد هذا لدى عبد الوهاب الشربيني في قصص ( احتراق – العبيط – شطرنج – إنسان عادي ) ولدى محمد شمخ في قصص ( ساعة العائلة – لسع النعناع – عصافير ) .

وفي البداية يجب أن نقرر بأن المفارقة السردية شئ مراوغ على مستوى الاصطلاح وعلى مستوى التلقى معا، حقا يتوقف استيعاب أحياز أثر الضحية وخداع وتناقض الإدراك على سعة أفق القارئ من جهة ، كما يعتمد على رهافة الحس الجمالي الجدلي عند السارد من جهة ثانية ، لكن تظل بلاغة المفارقة خارج أطر الاصطلاح والتلقى، وربما كان اجتهادنا فى نحت اصطلاح((الوعى التعددى الطافى)) مدخلا لحل هذه المعضلة الجمالية والنقدية الكامنة فى بنية المفارقة، وإذا كان مويك قد ذهب إلى أن المفارقة في الأدب بصورة عامة أمر لا مفر منه ولا يحتمل الجدل ، فنحن نشايعه أيضا مع فريق النقاد الذي يذهبون مذهبه ، غير أننا لا نسلم ببلاغة المفارقة للكاتب بمجرد امتلاكه حسا جماليا ومعرفيا جدليا ، فلكي يتحول هذا الحسي الجدلي إلى بنية مفارقة سردية على الكاتب أن يرقى بالجدل الجمالي والمعرفي إلى الأفق الأسلوبي التشكيلي للمفارقة ، إن المفارقة تشكيل صارم قبل أن تكون إدراكا جدليا لتناقض الذات والواقع والعالم، أما اختلاف النقاد حول إدراك صفات المفارقة وأشكالها وألوانها ، فأمر لا أعول عليه كثيرا ، لأنني أتصور أن أشكال المفارقات الجمالية في الفنون لا تتناهى لأنها ببساطة مفتوحة على الحياة التى لاتتناهى مفارقاتها، ، ففي العالم مفارقات جمالية بعدد ما فيه من أدباء وفنانين ،بل بعدد ما فيه من احياء وأشياء وجوامد وصوامت، وصور التناقض والتوتر والتضاد لا تتناهى في جسم العالم نفسه ، وتركيبات الذات والواقع ، بل لا نغالي كثيرا إذا قررنا بأن الوجود الإنساني نفسه لون من ألوان المفارقة،والنظريات العلمية التجريبية والنظريات النقدية هى لون من ألوان المفارقة،فكما نؤرخ لحياة الأفكار فى العالم بانها حياة العقل،أحب انا الآخر ان أؤرخ بأنها حياة الحمق أيضا ،وإلا بالله عليك قل لى مثلا لماذا يزيد الناقص؟؟ ألأنه كامل؟؟!! إننى أرى فى هذه الدراسة وغيرها أن إدراكنا العلمي الموضوعي للواقع والتجارب وألوان الوعي لونا من ألوان المفارقة طالما هناك هذه الشقة البعيدة .بين بنية الرموز والأفكار بوصفها تعبيرا عن العالم ، وتجلى العالم في ذاته عبر أشيائه وأحيائه الدالة بغير لفظ ، والمبينة بغير بيان ، وقديما فرق أبو حامد الغزالي تفرقة دلالية عميقة وأصيلة بين تصورات عديدة للدلالة فرأى أن ((هناك المتصور اللفظي ، والمتصور الذهني ، والشئ في ذاته ، وطريقة اتصال الذهني باللفظي بالعالم )) وإننى أرى أيضا بانه عبر هذه المسافات الرمزية والتأويلية الطويلة للإمساك بدلالات العالم، يغيب كثير من ملامح الذات والواقع والعالم أيضا ، وتتجلى مفارقة التعبير بصورة مأساوية ، تتسق وتعبير النفري ((كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة )) ،أضف إلى ذلك أن بنية الوجود الإنساني نفسه بنية أنطولوجية متعالية ، دائما تطمح الروح للأعالي لتتحقق ، فإذا تحققت بعض مطامحها ، زاد ثراؤها الروحي والفكري من جهة ، وتعمق أخدود الشوق إلى امتلاء أوسع وأعمق فتتوق إلى امتلاء أكثر خصبا من جهة أخرى ، فالاتساق كادح إلى مثله الأعلى كدحا حتى يلاقيه ، والنظريات العلمي كادحة إلى إدراك أعماق الواقع وتداخله ، لكن الحياة تعلو على النظرية باستمرار ، واللغة تكدح للإمساك بجوهر الأشياء وأكناه الأحياء ، ولكن تفر من بنية اللغة أية لغة أجمل ما في الوجود ، أقصد منطقة السر في كل شئ ، وتستخلص من كل ما سبق إن الحياة بقضها وقضيضها ، والكائنات والأحياء والأشياء تنطوي على التناقض والتوتر والتعدد والتعالي في بنيتها التركيبية الداخلية ، ومن هنا فلا مفر من بنية المفارقة .



ويبقى الأهم فيما نحن بصدده هنا في كيفية تجسيم وبناء جماليات المفارقة في النص الأدبي نفسه، لدى الكاتبين عبد الوهاب الشربيني ومحمد شمخ، وفى البداية أحب أن أقرر بان الكاتبين يتمتعان بحس جمالي موضوعي تأملي قادر على إزاحة أنساق وعلاقات العالم المحيط بها إزاحة إرجائية ، لا إزاحة إعدام للوجود ، إنهما يرجئان استقرار الواقع والعالم ، ويعلقان مفاهيمه وتصوراته ليجريا من تحتها تيارا جماليا ومعرفيا دافقا من الشك في قيمه ، وهز ثوابته ، وزعزعة أساساته ، فهما يمتلكان حسا جماليا مركبا مكنهما من إدراك منطق الفجوات والتمزق في النسيج الإنساني والواقعي والثقافي والسياسي من حولهما وإذا كان ( جورج لوكاتش) قد أرجع عمق حس المفارقة في الغرب إلى سكوت صوت الإله هناك ، مما أنضج الفرد وجعله أكثر قدرة على التحرر من سطوة الأنساق الرمزية وإجراء يد الشك والتدمير فيها ، فإنني على العكس من ((جورج لوكاتش)) أرى أن عمق حس المفارقة لدينا في خطابنا السردي العربي المعاصر قد اشتد وتعاظم أثره بعد أن استبدل حكامنا ونظمنا الثقافية ، وأنسقتنا السياسية المطلق الإلهي بالمطلق السياسي ، وصادروا حرية الإبداع لصالح إذعان الإتباع ، وتلقائية وعفوية الروح والفكر والخيال لصالح إكراهات الثقافة ، وتحكمات العقل ، وضوابط عدم خدش الحياء الرسمي العام،بالصدق مع الذات والواقع، ومن هنا كان هذا الحفر الجمالي التركيبي لدى الكاتبين الشربيني وشمخ في اليومي المألوف والحسي والجسدي المسكوت عنه، أو قل في كل ما يمت إلى منطق الفجوات والتمزق ، وعوالم الصمت ، وأشواق الغياب، والتفاصيل الحسية الشعبية المهملة من قبل المؤسسات الرسمية العامة، ولعلنا نلحظ بدايات هذا الخروج على المألوف ، ومفارقة الوعي الجمالي لأنساق وعي العالم لدى عبد الوهاب الشربيني في قصة ( تسليم وتسلم ) ، حيث يدافع بطل قصة سليم عن لون من الحياة يكون الموت أشرف منها ، إنه ميت على قيد الحياة ، ولعل اسم البطل ((سليم)) يوحي لنا منذ البداية بمفارقة محتواه ، فهو ليس اسما على مسمى كما تقول العامة ، فهو على الرغم من أنه ( سليم رجل سليما الطوايا ) كما تبدأ الجملة الأولى من القصة ، لكنها بداية خادعة ، ظاهرها الاتساق وباطنها التمزق والانقسام والاضطراب ، والبطل المتسق مع ذاته الضائعة – وغالبا الأموات لا يحسون بموتهم – يستغرب من اختلاف الآخرين عنه ، يقول الكاتب في المقطع الأول من قصته:

(( سليم رجل سليم الطوايا ، في كل مكان مستغرب عند قراءة الصحيفة مندهش ، يطاطئ الرجل يلمع حذاءه ، يقول سليم لنفسه : ما لهم لا يرضون بشئ ألا يتخذوني قدوة ، مثلا ، عاش الملك ، مات الملك ، أحيا – قامت الحرب ، قام السلام ، أمارس حياتي العادية))



إن البطل هنا هو الضحية الأولى للمفارقة بين حياة ملؤها الذل وضياع الذات في عبوديتها الطوعية للنظام الرسمي العام ، وبين موت يتجرعه ليل نهار ولا يكاد يسيغه ، إن لعبة المخادعة بين باطن غائب ، وحاضر زائف تفجر بنية المفارقة على طوال بنية السرد في القصة يقول البطل سليم ((لأنني مؤمن فأعاشني الله عيشة راضية ، هو يحبني دون شك ، بشهادة الناس ما دمت بعيدا عن كل ما يشيبن)).

حتى صورتنا عن الله تأخذ صورة الثقافة التي تنتمي إليها أكثر مما تستمدها من عظمة الله نفسه ، إن إيماننا مدجن لأنه إيمان متصنع ومصنوع على عيني النظام الرمزي الثقافي العام ، لم يعد الإيمان مجاهدة وصراعا، وتجربة واتصالا مستمرا ، صار إيماننا تسليما خانعا للنظام،أو للمفتى الرسمى العام، وليس تسليما حرا لله تعالى ، نحن نحسن الظن بأوهامنا ، ولسنا حراصا على تبديد عجزنا أكثر من حرصنا على مكننة أفكارنا ، وأوتوماتيكية إتباعنا للآخر المهم في الأمر كله أن بطل القصة يمارس حياته ممارسة طبيعية تماما من وجهة نظره هو ، ويتعجب من قلق الآخرين وصدق الله العظيم في قوله الكريم "(( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض ، قالوا : إنما نحن مصلحون ، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ")) وعندما تأتي زوجة سليم بفعل مشين نراه يسأل الآخرين ولا يسأل نفسه عما يجب أن يتخذه نحوها من قرار ، يقول له رجل الدين اقتلها فهي آثمة ، ويقول له المثقف ، كيف لم تعلم إلا مؤخرا ، ويقول له رجل جاء يسعى من آخر العمر،بعد ان طحنه القهر، دع الأمور تجري في أعنتها ، إذن سليم ليس سليما لقد باع نفسه ، ومن هنا كان عنوان القصة موفقا للغاية عندما صدر الكاتب العنوان بالفعل المضارع ، فما حدث لسليم هو أشبه بطقوس بيع نفس بشرية للنظام الثقافي والسياسي والاجتماعي العام ، إن ثمة مفارقة مروعة بين فعل التسليم في عنوان القصة ، وفعل الاتساق مع الذات الضائعة على طوال البناء السردي .



إن فعل التسليم يتم هنا وفق طقوس إرادية لبيع الذات والحياة الخاصة لصالح الحسن الغوغائي العام،لصالح ((الهو العام المجرد)) (( وهو فيما يرى هيدجر كيان جمعى يلغى هوية أفراده بحيث أن أى شخص يستطيع أن يمثل الآخرين،فإذا تسائلنا عن ذلك الشخص المجهول الذى نشير إليه بالكلمة((who )) سنجد غنه ليس هو هذا الشخص ولاذاك،ولا الإنسان نفسه ولا بعض الناس ولاحاصل جمعهم جميعا،إنه المحايد neutrer إنه الناس the theyويمثل هذا الآخر أو هذا الوجود الهلامى بالنسبة للإنسان إغراء أو غواية temptation للتخلص من عبء المسؤولية الخاصة لحساب مسؤولية عامة يصبح فيها الفرد مجرد راس فى القطيع البشرى))(15)

وقد أحسن الكاتب صنعا عندما أنهى قصة نهاية سردية موفقة بقوله : ((" وأخذ طفله وسار بعيدا بعيدا لداخل المدينة ، واندمج وسط الضوغاء ")) إن السارد يصور بطله هنا جزءا من روح القطيع العام ، وأنساق الحشود البشرية النائمة ، انه أحد السائرين نياما ، فالأموات لا يحسون ولا يتكلمون وما أنت بمسمع من في القبور ، فقط الأحياء الذين ينتمون إلى عالم اليقظة ، إن فعل المفارقة في بنية السرد ينبع من أن البطل ( سليم ) يعيش حياة ظاهرها السلامة ، وباطنها التفسخ والاضطراب والحيرة ، ولعلنا لو حفرنا عميقا في البنية اللغوية لاسم سليم في موروثنا اللغوي القديم لوجدنا أن معنى " اللديغ " ضمن معناها ، فالسليم في الأصل هو اللديغ بسم الأفاعى، لكن الأصول قد غابت، بعد أن دجن التداول الأيديولوجى السائد أصول المسميات ، وعفى عليها بمسميات رمزية جديدة ، تتسق والنظام الثقافي الأخلاقي السائد ، أكثر مما تتسق وروح الإنسان أصل الأسماء والمسميات والوجود كله ، لقد أبان لنا الكاتب الفارق الهائل والمؤلم بين أنظمة ثقافية ، وأنسقة قيمية تشتق قيمتها من قيمة الإنسان نفسه،وأنظمة ثقافية أخرى تتخذ من جسد الإنسان وروحه وقدسيته لعبة قاسية ووحشية لتشتق منه سيادتها وتسلطها . ونرى ذات المفارقة لدى الكاتب في قصته "(( العبيط)) حيث نرى هذا الازدواج الوجودي المقيت في ممارسات البشر ، نلمحه في الغش المادي والمعنوي والفكري بين الابن والأب والعامل والابنة ، فالسقوط في الامتحان كان موازيا للسقوط المادي في حادثة السرقة إن الظاهر يسير في سلام ، أما الباطن فهو يعج في قتام، إن ظاهرنا غير باطننا ، وكأن حال القصة يقول لنا دعونا نتواطؤ ضد بعضنا في صمت مبجل ، دعونا نتوقر داخل نظام عدالته مجروحة ، وكرامته مستباحة ، وهو نفس العالم الذي يكشف الكاتب عنه في قصة "(( شطرنج ))" ويكفي أن تتداعى إلى مخزوننا الثقافي والاجتماعي بعض القيم الكامنة في لعبة الشطرنج نفسها ، وصراع الجنود والملوك وباقي المكونات الاجتماعية والثقافية الدائرة فوق رقعة الشطرنج نفسها ، إنها لعبة عقلية راقية تذكرنا بلعبة السياسي ، لكن العقل السياسي لا يلعب للإمتاع ، بل يلعب للإخضاع ، إن عبد الوهاب الشربيني يقيم مفارقة بين الموجود الوهمي المراوغ المتمثل في رغبة البطل في خلق طابور خامس وما يجتره هذا الطابور من لغو الأفكار والتصورات وبين حسية الوجود ، وفعل الحياة ذاته متمثلا في جسد المرأة التي يلاحقها وتلاحقه ، إن ذات البطل موزعة بين التفاصيل السردية الحسية ، وبين اللغو والأوهام والوجود الكلامي الفارغ ، إن القصة تجسد لنا اللغة السائدة في واقعنا الاجتماعي بما هي لغة قائمة على الإغواء والإغراء ، لا الامتلاء والتواصل ، إن ثمة نمطا من ((شطرنجية الوجود)) نحياه ، يتم فيه توزيع الأدوار الماكرة فقد وجدنا ألوانا من هذا النمط الوجودي المتناقض بين ورع الأب ومحافظته الزائفة ، وحسية الحياة الطاغية ، ووهمية الطموح لدى البطل ، إنها ذوات موزعة تمارسها الأشياء ولا تمارس هي الأشياء حينئذ تصير الحياة لعبة ماكرة ، ولعل في خلق الكاتب لبنية التضاد في الجملة الأولى من القصة بين فعل النظرة ، وبرود التذكر ما يعمق هذه الرؤية النقدية ، يقول الكاتب في مستهل قصته:



(( نظر النظرة الأولى ، تذكر كلماته ، النظرة الثانية حرام ، نظر إليها الثانية وضحك في سريرته كنجيب الريحاني ، لقد وقعت في الحرام ، لقد دخلت الجحيم ، أخذ ينظر إليها تغدو وتروح ينحسر عنها ثيابها ، ينظر إليها النظرة الثلثمائة)) .



إن الكاتب يعمق منذ اللحظة الأولى في بنية السرد هذا التناقض المتراوح بين فعل النظر للجسد ، وتذكر النهي الديني عن ذلك، ثم يؤكد لنا القاص على طوال قصته هذه المفارقة الفادحة التي يعيشها وواقعه معا بين نمط للوجود ينظر في جسد الحياة، ونمط آخر ينظر إليها ، نمط للاحتياز ، ونمط للنفاذ .



وهنا تكمن المفارقة السردية بين الحديث عن الواقع ، والواقع نفسه ، إن كتاب القصة في دمياط كانوا على وعي جمالي جدلي ببنية الواقع المحيط بهم ، وقد تفاوت الكتاب في رصد هذا الجدل تعقيدا وهشاشة ، ثراء وبساطة ، حقا إن البنية السردية للقصة تمثل بناءا جماليا موضوعيا مستقلا عن بنية الواقع – لكنها قادرة في كل الأحوال على إقامة صور متعددة للجدل الجمالي والمعرفي مع الواقع ، وقد اختلفت صور هذا الجدل بين الكتاب في دمياط ، وكان على النقد أن يعيد النظر بالواقع والوعي بالوجود ، إن الحس الجمالي الكامن في المفارقة السردية لدى كتاب دمياط كان يمر عبر بنية أنساق الواقع ، وطبيعة علاقاته ، وأشكاله الثقافية العامة ، لكن الفن ليس مقلوب الواقع ، ولا حقيقة مطابقة لأحداث الحياة ، بل كان الواقع الموازي أو الواقع البديل ، إن الوعي الجمالي للمفارقة ينبهنا إلى ضرورة تقدير الريب ، وإعادة المساءلة ، وبث أسئلة – القلق في بنية الكينونة التاريخية والسياسية والاجتماعية المحيطة بالكتاب وبنا معا ، إن المفارقة السردية تنغل في بنية الأنساق الثقافية كاشفة عن هشاشتها ، وهشاشة تصورنا للواقع والذات والعالم ، ومن ثمة وجوب تجاوز جميع ذلك بمناقشته ومناوئته والتعالي عليه ، لقد أتاحت الأشكال الأسلوبية المتعددة للمفارقة السردية لدى كتاب دمياط فرصة جمالية موضوعية لتأمل أشياء العالم من حولنا ، خاصة أن بنية المفارقة ذاتها تحتوي على هذا الجدل التعددي المتراوح بين طرق سبر الواقع ، وبنية الواقع نفسه ، ومن هنا لم يكن الحس الجمالي المفارقي مجرد حزن أو استنكار أو رفض انفعالي للأنساق الرمزية والسياسية المحيطة بالكتاب ، بل كان جدلا جماليا ثوريا يصغي لثراء العالم وتعقيده وتعدده أكثر مما يمتثل للمقولات السياسية والاجتماعية والحضارية المحيطة بنا ، يقول إرنست فيشر : ((" لا بد من درجة عالية من الوعي الاجتماعي للتمييز بين سكرات موت العالم القديم ، وصيحات مولد العالم الجديد ، بين الأنقاض والبناء الذي لم يستكمل بعد ، كما أنه لا بد من درجة عالية من الوعي الاجتماعي من أجل تصوير الجديد في شموله دون تجاهل لجوانبه القبيحة .... وأسهل من ذلك كثيرا ألا يرى المرء غير البشاعة والقسوة ، غير واجهة العصر الخارجية وأن يستنكرها ذلك أسهل من النفاذ إلى جوهر ما يوشك أن ينشأ ، خاصة وأن الانحلال أكثر تنوعا وأشد إثارة ، وأبرع تشويقا في المدى القريب من العمل الشاق لإقامة عالم جديد))(16) .



ومن هذا المنطلق كانت بنية المفارقة كدحا جماليا ومعرفيا شاقا ، وقدرة تخييلية مضنية لإدراك أكناه الجدل المتراوح بين البنية الموضوعية للواقع ، والطلاقة الخلاقة للخيال ، فبقدر ما تمثل الثقافة أشكال الأطر والقوالب والمعايير الجماعية الثابتة والمنظمة للواقع والتاريخ ، تمثل المفارقة قدرة الفن النقدية على إحداث الريب والقلق والزعزعة وإعادة المساءلة لهذه الأطر والمعايير ففي أعماق كل مفارقة يكمن هذا التزاوج الجمالي والمعرفي التعددي بين أشكال الحزن وممكنات البهجة ، أطوار السقوط والتخثر ، وأشواق البناء والتماسك، ومن هنا تأتي القيمة الإنسانية والجمالية للمفارقة السردية من جهة كونها قطيعة جدلية متصلة ومتجاوزة لها ، وليس القطيعة المثالية التجريدية المعادية للحياة ، إن المفارقة نار هادئة متأملة ، وليس حريقا نافيا للعالم من حولنا . إنها منطق الانتباه لا منطق الانفعال.








مفارقة الومض السردى




نرى هذا لدى الكاتب ((سادات طه)) في مجموعته القصصية "(( أشياء ثقيلة)) في قصة (انتبه ) حيث يبني الكاتب مفارقته السردية على هذا التناقض الفادح بين حكمتنا الواهية في وعي الحياة ، وممارسة الوجود ، وحكمة الحياة نفسها ، إن الحياة أوسع من تصوراتنا ، وأخصب من تأطيرنا لها ، وفق معايير خاصة ، الحياة كامنة في الممارسة الطليقة الحرة ، بينما حكمتنا البائسة تقول لنا يجب أن نخضع الحياة نفسها لمنطق الحساب هذا ما وقع فيه بطل قصة " انتبه " صابر الحكيم ، حيث ينتفي عنه الصبر والحكمة معا يقول الكاتب مصورا هذه المفارقة الساخرة بين حكمتنا وحكمة الحياة :

((" عاد صابر الحكيم في آخر الشهر ، وأثناء السير من حين لآخر يتحسس جيبه ليطمئن وهو غارق في تلك العصافير ، شاورته نفسه ، أعطى صاحب البيت نصف الإيجار ، وصبحي البقال نصف الحساب ، فهو رجل يرحم أمثالي لكن أم العيال الويل منها ثلاثة أشهر تنتظر الحذاء كعب الكباية كحذاء جارتنا أم فكرية ، ظل الحكيم يتعارك مع نفسه طولا وقصرا وقال بعد أن سدت الطرق أمامه علي أن أحتفظ بثمن الخبز ، والباقي كما تقول أم العيال كل واحد على لسانه وأثناء المعركة والمحاورة وهو غارق لأذنيه – صدمته سيارة – كانت تقول : انتبه من فضلك السيارة ترجع إلى الخلف ، تحلقوه وأشبعوه مصمصة ، أغرقوه ماء ، فاق صابر وأسرع يفتش جيبه ، واكتشف أنهم سرقوه "))(17) .



إن عنف الاستغراق والغرق في أشياء العالم ، يماثله عنف العزوف عنه ، كلاهما استغراق لا مجاوزة ، إندغام لا مساءلة ، تطابق مع فجاجة الحياة ومطالبها الصغيرة ، لا تأملها والسيطرة عليها واتخاذ مسافة لازمة بين فرادة الذات وأخطبوطية الموضوع ، ليعيش الجدل بينهما في عافية وجودية منتجة. إن المفارقة السردية عند سادات طه أشبه بالومضة الخاطفة ، ولذا فهي تنتمي إلى مفارقة الومض السردي ، إن السرد هنا محكم وكثيف ومستقطر ، فالكاتب معني بالسرد المحتشد ، أو السرد المدجج بالكثافة ، دقة في الحدث وفي الشخصية وفي الزمن والبناء ، كل عناصر السرد منضغط انضغاط الزناد ، حتى تقتدح المفارقة نارها الخلاقة ، إن السيطرة على الشكل السردي لدى سادات طه في القصة السابقة قد فتح الدلالة السردية على عوالم روحية وفكرية وجمالية عديدة نرى هذا أيضا لدى الكاتب أحمد محمود عفيفي في مجموعته الجميلة ( كان يشبهه تماما ) في قصص مثل ( واقعية – مناظرة – العناتيل – ما قبل العاصفة ) ، وأحمد عفيفي يدخلنا مباشرة إلى بلاغة الاقتصاد السردي المقطر ، إن أحمد عفيفي يمارس استخلاصا جماليا معرفيا لروح الأشياء والموجودات والتصورات المحيطة بنا ، إنه يحدق في أعماق كل شئ حتى يفتته ويستصفيه وينقله من وجوده الحسي الجاسي الغليظ إلى وجود تصويري شفاف قادر على مجاوزة الشئ إلى ما ورائه ، إنه ينصت بعمق إلى المفارقات الكامنة في بنية الأشياء في ذاتها ، ولا يجر الأشياء إلى مفارقة عوالمها المادية ، إلى عوالم مثالية ، ومن هنا كانت المناظرة عنيفة للغاية في قصته ( مناظرة ) بين العوالم الرسمية الغليظة ، والعوالم المسكوت عنها والمتفجرة بالحياة ، إن جدلية الرسمي والمدني تبلغ أقصاها في هذا الحوار بين الصغار والكبار ، يقول الكتاب :

صرخ الصغار في وجه الكبير : إلى متى ؟

ألكونه معروفا، يحق له يسخر منا ويحقرنا ؟

- أنا أشعر بكم، وطالما احتدمت شياطين الغضب بأم رأسي مرارا أحسست برغبة في جذبه من بقايا شعره وسحقه بيدي، غير أني أبقى على قدسية المكان، لكن لن أتخاذل بعد اليوم.

- في الجلسة أعلن الكبير أنه سيلقي قصيدة يتناول فيها عناوين " المعروف " انتهى الكبير من قصيدته العصماء، لاحت علامات الرضا على وجهه " المعروف "، صفق الكبار للأداء والبلاغة وحسن التوقير !! ))

في هذا السرد المحكم المقطر الذي يبلغ حد التقشف التعبيري ، والكفاف اللغوي ، نرى أحمد عفيفي يستخلص معادلات جمالية ومعرفية صادقة عن جوهر الواقع الذي نعيش فيه ، فعند تأملنا في هذه المفردات ( الصغار – الكبار – صفق الكبار للأداء والبلاغة وحسن التوقير – أريد أن أبقى على قدسية المكان ) – نلحظ هذه المفارقات السردية العميقة بين المسميات والأشياء ، فهناك الصغار في مواجهة الكبار ، وهناك البلاغة وحسن التوقير في مقابل الحيوية والطلاقة وتدمير الوقار الزائف ، إن الحياة لا تتوقر بل تنطلق ، والأشياء تضيق بأطر البلاغة وقوالب الرموز ، إننا نعيش في سجون فكرية وروحية ورمزية عديدة ، ونستريح إلى التصنيفات والأطر التي تعيننا على مواجهة الواقع ، ولكنها في الحقيقة تدمر بنية الواقع نفسه ، إن أحمد عفيفي يقيم مفارقة ومناظرة سردية خاطفة بين جسد البلاغة ، وبلاغة الجسد ، فالبلاغة تؤطر الأرواح والعقول إلى صغار وكبار ، بينما بلاغة الجسد تعصف بالتصنيفات والتصورات ، وربما قالت لنا في نهاية القصة ليس هناك ما يدعى بالصغار والكبار إن هي إلا تخرصات الواقع ، وأوهام الثقافة ، وتسلطات الآخرين ، لقد وعد الكبير فى القصة بمناوئه ((" المعروف)) " هذه الشخصية الوهمية العامة ، لكنه في النهاية يذعن في سياقات الواقع الموقرة ، بينما ما يدعون بالصغار هم الذين اكتشفوا وهم الكبار ، ربما صار الكبير صغيرا ، والصغير كبيرا وربما نتصور الأشياء على غير حقيقتها ، وربما قضينا العمر كله داخل أنساق معروفة لكنها في الحقيقة مجهولة ، إن ادعائنا أعظم شأنا من صدقنا ، وأوهامنا عن الواقع أكبر من الواقع نفسه ، علينا أن نحسن الإصغاء للواقع ، لا للذاكرة ، للشئ ، لا لبلاغة الأداء وحسن التوقير ، علينا أن نرتاب كثيرا في الوقار العام ، فالحس العام دمار عام ، إننا جوعى إلى يقين آخر ، يقين غائب ، لكنه ينغل في أرواحنا الملتاعة إلى لحظة طمأنينة ، نرى هذا في قصة " ((الجوع ))" حيث تتجلى مفارقة السرد الرمزي في صورة المرآة ، التي تعكس كما يقول السارد:



((" شيئا مقبولا مع بعض الغموض)) " هذا القران الخادع بين المقبول والغامض في بداية القصة سوف يتنامى على طوال بنية القص حتى يبلغ أزمة انعدام الخط الفاصل بين الوهم والحقيقة . حيث نرى الواقع باستمرار من خلال المرايا ، لا من خلال الوقائع ، ويعظم وهمنا فيما نراه بينما تسخر الأشياء والحياة منا عندما تتجلى في أحجامها الموضوعية إن أحمد عفيفي يلفتنا في هذه القصة إلى ضرورة رؤية الأشياء في ذاتها بعيدا عن ضلالات الوسائط الثقافية والتكنولوجية الحديثة التي أطرت رؤانا في أحياز ثقافية خادعة ، وتلعب مرآة السيارة هنا دور المفارقة على طوال بنية القصة حيث تقوم المرآة بدور تصغير الكبير ، وتكبير الصغير ، وهو ذات الدور الذي صورته المفارقة السردية في قصة ( مناظرة ) ، فالمرآة هنا تحسن القبيح وتقبح الحسن ، ولعلنا نتذكر هنا أوهام الكهف لدى أفلاطون قديما ، وأوهام السوق والقبيلة والأصنام لدى فرانسيس بيكون ، حيث تستبد بالإنسان ضلالات الحواس الجائعة الملتهبة ، وترنحات الوعي واللاوعي مجسدة هذه المفارقة الفاجعة بين شئون المرأة المهمشة إلى جسد رجل قادر على احتوائها ، وانهيار جسد الرجل واحتياجه هو الآخر إلى من يحميه ويحتويه ، هذا ما نراه في نهاية قصة الجوع ، ولنتأمل هذه المفارقات السردية بين أشواق المرأة ، وانهيارات الرجل ، الموازي السردي الرمزي لانهيار بنية الواقع ، وتناقضات علاقاته،يقول الرواى :

(( " كانت علبة الفطائر ذات الشريط الوردي لا تزال تتأرجح لا إراديا وهي في حالة من اللاوعي ، وكان الرجل متفان في توسلاته ، نظرت إليه في شرود ، ببطء ناولته العلبة ، مزق الغلاف بكلتا يديه ، انقض كالمسعور حتى أتى عليها ، ثم نظر للواقفة أمامه في ذهول نظرة لا تحمل أي معنى ، ثم استدار عائدا أدراجه ، فيما واصلت هي والجوع يعصف بأوصالها))(18) .

ثمة جوع يعصف بنا وبأوصال واقعنا للإمساك بحقيقتنا الغائبة ، يجب أن ننخلع من ربقة أوهام المرايا حتى نكون أكثر التصاقا بأجسادنا وأرواحنا ، علينا أن نحلم لنكون أكثر واقعية ، هذا ما تؤكده لنا قصة ( واقعية ) حيث نجد هذه المفارقة السردية بين حقيقة الواقع ، ووهمية الوقائع ، إن الواقع أوسع مما يطفو على سطحه من وقائع ، إن القصة تقول لنا : إن ما نتخذه أحيانا من تصورات لفهم الواقع قد يكون هو الحاجز السميك بيننا وبينه ، إن خلع النظارة العتيقة ، وفك رابطة العنق ، وعدم الحضور مبكرا لدى البطل الذي أنصت إلى نصائح زميله ، كل ذلك لم يعفه من تغامز الآخرين عنه ، علينا أن نكون أكثر فطانة لتناقضات الواقع ، لا أكثر تسليما لنصائح الآخرين ، إن الواقعية الحقة فيما يرى القاص أحمد عفيفي في هذه القصة تكمن في طلاقة الأحياء مع تناقضات الحياة ، وتراميها الحسي الحي ، لا مع تصوراتنا ونصائحنا وأفكارنا .

فما يباغتنا من همز ولمز كامنين فى بنية الواقع يجعلنا أكثر واقعية فى إدراك ذواتنانوطبيعة الأشياء من حولنا،نجد هذا أيضا لدى الكاتب حلمى ياسين، فى مجموعته(( ذلك البيت)) فى قصتيه(( ثلاث حكايات عن الأب والإبن ـ لعبة البيت )) وتاتى قصة لعبة البيت فى غاية المتعة والتشكيل الجمالى الناضج،والقصة كلها تقوم على المفارقة السردية البنائية ـ إن صح التعبير ـ حيث نجد هذه التفاصيل السردية الحسية المتنوعة التى تنبنى عبر مفارقات سردية عديدة بين عالم الصغار والكبار، حيث ترسم المفارقة على طوال البناء الفنى للقصة نمطين من التعاطى الفكرى والروحى مع الواقع والذات والعالم،نمط قائم على بث النشاط والحرية والبهجة فى الكون ممثلا فى شخصيتى الطفلين،ونمط آخر قائم على الاستحواذ والتملك والتخطيط العقلانى وإكراهات الثقافة، إن ثمة خطان سرديان يتوازيان بين الحاكى الطفل بضمير الأنا مع عايدة الطفلة، وعالم الكبار ممثلا فى أبويهما، إن الطفلين عليهما توصيل الطعام إلى أبويهما بينما هما مشغولان طوال الوقت عن الوصول بلذة الحكى فى ذاته واكتشاف العالم من خلال الحكىن إن المفارقة السردية هنا تمثل مفارقة الحالة الوجودية التى تتخذ من بنية السرد نفسه موازيا للحرية فى مواجهة الواقع، إن سرد الطفلين، الحكايات للتغلب على الخوف والقلق إزاء احتمال عدم القدرة على الوصول بالطعام إلى أبويهما، جراء نباح الكلاب،يعمق من المفارقة بين قلق الحرية وغلظة محدودية الواقع، عن الطفلة تقوم هنا بدور شهرزاد التي تحكي على مسامع شهريار لتشفيه من قلقه وهواجسه وتعيده تارة أخرى إلى جوهر ذاته ، وجوهر الوجود من حوله ، إن الحكي نفسه لون من ألوان الانتصار على انغلاق الحياة ، ومحدودية الواقع ، وحصار الأشياء لنا ، إنه يفتح نافذة أخرى بديلة باتجاه أفق آخر نستطيع أن نراه في أعماق الواقع نفسه ، لا يهم الوصول إلى الهدف بقدر ما يهم من شجاعة الوصول إليه ، إننا نكون أكثر إنسانية وحرية وتحققا إن امتلكنا أسباب الحياة بصرف النظر عن تحقق هذه الأسباب بنتائجها ، الحياة لعبة ومغامرة واستكشافا ، لا امتلاكا واستحوذا وركونا ، هذه هي الفكرة المركزية التي يترامى إليها الشكل القصصي في "(( لعبة البيت )) لدى حلمى ياسين" ، وهي ذات الفكرة التي نراها في قصة "(( ثلاث حكايات عن الأب والابن)) " التي تبنى عبر وحداتها القصصية الثلاث عالما سرديا قائما على المفارقة بين التسلط والحرية ، بين التفرد الحر الرهيف ، ومعيار العقل البارد ، بين التوتر والشيوع الثابت



لقد انتبه كتاب دمياط إلى بنية التناقض والتضاد والانقسام السارية في جسد الواقع والذات والثقافة ، وامتلكوا هذا الوعي الجمالي الجدلي في تشريح خفايا وتفاصيل العالم من حولهم ، وارتفعوا بالجدل من المترائي إلى اللامرئي ، ومن المركزي إلى الهامشي ، وأسروا كثيرا من الشك والقلق والمساءلة في طرق وعينا ، وطبيعة تصوراتنا ورؤيتنا لأشياء العالم من حولنا ، لقد أسسوا للاختلاف والفرادة والرهافة وسط اكتساح الأنماط والقوالب لأرواحنا وعقولنا ، إنهم .. يجرحون سطح العالم الثابت بعلاقاته وأنساقه ليموج بمكنوناته الداخلية الموارة ، حتى على المستوى الحضاري التاريخي نجد هذا الحفر في اللاتجانس الزمني الذي نحياه بين تجريدية تصورات التاريخ وشيئية الحركة فيه ، إننا نتصور الحركة شيئا معزولا ومكتملا منذ البداية ، بينما الحركة الخلاقة على خلاف ذلك إنها تماوج وتداخل وتدافع بين مكونات كثيرة ، فالعافية الوجودية والنفسية كامنة في التعدد والتناقض لا الانعزال والاتساق، نجد هذا لدى القاص محمد شمخ الذي يبني مفارقاته السردية دائما بين الأشياء والكلمات ، أنساق الثقافة والنسغ الحي للكائنات والأشياء والعلاقات الحية الطازجة ، يتجلى هذا في قصص ( ساعة العائلة – لسع النعناع – كونشرتو وطني – سمع ) وبصفة عامة فإن محمد شمخ كاتب سردي متمكن أصيل ، قادر على السيطرة التشكيلية للسرد بما ينضج رؤاه السردية نضجا كثيفا ، فالكاتب يمتلك كثافة المفردة ، واقتصاد التركيب للجملة والفقرة السردية ، وتعدد المنشور الضوئي للبناء السردي ، واحتشاد السياق السردي بالتلاحم والتوتر والقدرة على إدراك الصراع ، إنه يمتلك فيما أرى قدرة سردية مذهلة على الوصف السردي البر ناسي الحي القادر على امتصاص روح المادة ، وقاع الموجودات ، وأنساغ الأشياء ، وأكناه العلاقات المحيطة بنا ، فالسارد يلتهم بخياله السردي أشياء العالم وموجوداته ثم يستصفيها تراكيب وإيقاعات وأبنية سردية مشعة . نجد هذا في قصة " كونشرتو وطني " القائمة على المفارقة السردية التصويرية ، وقصة " السيد " القائمة على مفارقة الاستهلال والختام ، ومساءلة فكرة السيادة وترهل تصوراتنا العقيمة عن قيمة الحياة لكن الكاتب يبلغ ذرى قصصية بالغة الإحكام والدلالة في قصصه الثلاث : ((ساعة العائلة – لسع النعناع – سمع)) " ، ففي ساعة العائلة يجسد الكاتب صورا من المفارقات السردية الرمزية ، بين تصورنا عن قدسية الماضي ممثلا في ساعة العائلة ، ونفي حاضرنا لهذه القدسية الزائفة إن ماضينا لا يصب في حاضرنا ، وحاضرنا عاجز عن استشراف مستقبلنا ، وقدرتنا على الإحساس بساعة التحول الزمني معطوبة ، فهذه الساعة العائلية يتجاذبها على طوال البناء السردي للقصة قطبا المفارقة والرمز ، المفارقة بوصفها تناقضا والرمز بوصفه تحولا حسيا وجوديا من المرئي إلى اللامرئي ، من الحسي الفج إلى التعالي الطليق الحر ، من الانحصار في المتناهي في الصغر إلى الامتداد في المتناهي في الكبر ، إن الساعة هنا تلعب أدوارا جمالية ومعرفية متعددة السياقات سياسيا واجتماعيا وحضاريا ، وتقوم بدور الرمز البنائي على طوال الفضاء السردي للقصة ، فهي تتأرجح باستمرار بين القدسية المدعاة للماضي، وعدم جدوى هذا الماضى في صنع الحاضر ، بين الرغبة في التثمين الوهمي لتركة الأسلاف، وقسوة اللحظة الحسية المعاصرة التي تنفصل عن هذه التركة الموهومة شكلا ومضمونا، ويبدأ القاص قصته بالفعل المضارع الدال على الاستمرار والعائد على الفرد تارة وعلى الجماعة تارة أخرى يقول الكاتب في مستهل قصته: ((" تعرف ويعرف الجميع أن في أيامنا هذه ، إن كنت تمتلك شيئا أصيلا ، فلا بد أنك ستشعر بالفخر ، ولا بد أنك ستعض بأسنانك عليه ، ولا بد أنك ستحفظه بين اللحم والعظم ، ولن تفرط فيه أبدا))(19) . ويكرر الكاتب هذه الجملة ( تعرف ويعرف الجميع ) في مطلع كل مشهد سردي على طوال بالبناء السردى لقصته ليعمق الإحساس بهذا التناقض الفادح بين دلالة الماضي ممثلا في الساعة المقدسة ، ودلالة الحاضر ممثلا في عطب الساعة وعدم جدواها في النهاية ، إن السرد في القصة ينبني عبر تفاصيل حسية تتوالى في صور ورموز تتناقض وتتصارع من خلال بنية المفارقة السردية الرمزية بين الماضي والحاضر ، يقول الكاتب عن الساعة :

((" أريدها تدق وتدق ، تملأ الدنيا دقاتها ، ويسمعها الجميع ، ... أبتعد وفي صدري رغبة قوية أن أسمعها تدق، وأن أفتحها، أن أدخلها وأصارع ماردها ))".

ثم يذهب السارد إلى محل لإصلاح الساعات ، آملا في أن يعيد ساعته التي ورثها عن عائلته إلى حالتها الصحيحة من الحركة والعمل ، فنراه يقول له :

((" أرجوك ، بأي ثمن تصلحها ، تعود كما كانت ، فهي ساعة عظيمة ، كنز بمعنى الكلمة ، آه لو جعلتها تعمل ، ستقوم الدنيا ويكون لك الفضل ، سأحدث به الناس ، وربما أجهزة الإعلام " .

ثم يرد عليه صاحب المحل قائلا: " الحقيقة يا أستاذ أن هذه الساعة لا تستأهل منك كل هذا.

- انغرست الحروف والكلمات في لحم لساني ، فيرد عليه الرجل :

- يا أستاذ هذه نقوش ورسوم على معدن مزيف ، رخيص ، لا يساوي شيئا ، أما هذه الأجزاء والأسلاك ، فلا أرى لها قيمة أو فائدة ، ربما عند بائع الروبابكيا ، آسف .

استجمعت بعض الكلمات، وأظنها كانت:

- أنت مخطئ، لا بد، مخطئ أكيد، راجع نفسك يا رجل، لا بد أن هناك خطأ.

- لكن قسمات وجهه كانت هادئة وصارمة :

- مهما يكن، هذه يا أستاذ هي الحقيقة، يمكنك أن تتأكد من آخرين))



وعلى الرغم من إفاقة السرد على هذه المفارقة الفاجعة بين ما نتصوره ثمينا وأساسيا ثم نفاجئ بابتذاله وفجاجته وهشاشته لكن الضحية لا زالت متشبثة بوهمها القديم ، إن المسافة الفاصلة بين الوهم والحقيقة كانت من الخفاء والمراوغة إلى درجة الوقوع ضحية لارتباكها وتمويهها ، كيف نرى حقيقة أنفسنا وحقيقة الواقع من حولنا ، ونحن جزء من هذا الوهم الثقافي العام ، نحتاج إلى شجاعة كافية من الحيدة والموضوعية وشموخ الروح حتى نرى حقيقة الأشياء والعلاقات في أحيازها الموضوعية حقا ، يجب أن نرتفع من البصر إلى البصيرة ، ومن الظاهر إلى الباطن ، ومن التملك والاستحواذ إلى الحرية والطاقة ، علينا أن نفجر أنفسنا لنكون أنفسنا ، ونرتاب في حدود واقعنا لنكون أكثر واقعية . ولعل هذا ما نراه مجسدا أيضا لدى الكاتب في قصته البديعة "(( سمع))" حيث نلمس هذه المفارقة السردية بين واقع قائم على الخرافة والوهم ، وآخر قائم على العلم والاستبصار ، العالم الأول تديره الكلمات والأهواء والشعوذات ، والآخر يتنامى من البنية الحسية الواقعية لأشياء العالم ، فالكاتب يبني من خلال هذا الجهاز الجديد الوافد على القرية وهو الراديو – مستويين من الواقع يتناقضان ويتصارعان ويتجاذبان ويتخاصمان ويظلان كذلك حتى يكتمل البناء السردي في النهاية بانكسار السرد والواقع معا أمام فداحة المفارقة بين عالمنا العربي المستنيم إلى السماع لا إلى الفعل ، والعالم الغربي القادر على الاندغام الجدلي في بنية الأشياء يخقلها ولا يكتفي بمجرد سماعها عن بعد كما هو الحال لدينا ، يقول الكاتب مصورا الحدث في القصة :



(( طرق أبي الباب، وعلى كتفه صندوق، لم تستطع أمي أن تسأله عنه، إلا بعد أن انتظمت أنفاسه، وأكمل جرعة الماء.

أجاب : راديو ، التقطت آذاننا الكلمة ، ونحن تحت أغطية النوم .

في الصباح وجدنا الرجال تلتف حول أبي ، رقابهم ممطوطة كالديكة نحو " الراديو " شمر أبي ذارعيه ، بسمل ، أدار الراديو " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، خرجت من فم " عم محمد " كالعطسة ، عندما سمع المذيع بينما مضغ الريس جلال جلبابه وأنصت وهرش عم علي قفاه المصلطح وأسند رأسه بكفه المتشقق يفكر ، كيف لهذا الصندوق أن يتسع لكل هؤلاء المتحدثين فيه .

- ذكر مصدر عيان أن النيران تندلع في أماكن كثيرة .

كبر الشيخ عبد الحميد إمام الجامع ، وصوت المؤذن ينبعث من الراديو

سأله عم علي :

- دا حرام يا شيخ عبد الحميد ؟!!

- ذكرت الـ سي . إن، إن، أن هناك طائرات تحلق في سماء العاصمة )).



وهكذا يتنامى السرد القصصي عبر المفارقة السردية بين عالمين جد متناقضين ولا أقول مختلفين عالم قائم على الخرافة واللغو والوجود الإنشائي الفارغ يجسده العالم العربي ، وعالم قائم على الفعل والانقضاض والخلق هو العالم الغربي ، بل يرتفع محمد شمخ في تصوير واقعنا العربي إلى مستوى أسطوري ممعن في جهالته وغرائبيته ، يقول الكاتب: ((" علق أبي ( الراديو ) بإحدى الشجرات ، تراص الرجال يستمعونه في خشوع إلى خطبة الجمعة ، لحق بهم الشيخ عبد الحميد ، وهم يستعدون للصلاة ، أنزل أبي " الراديو " بوقار وضعه أمام الصفوف كبروا ...

- حرما يا حاج

- قالها عم علي ومال يهمس في أذن أبي :

في العيد تجيب الصلاة من الكعبة .

رد أبي :

- إن شاء الله

- يبقى الواحد حج وهو في مكانه ))



إن الكاتب هنا يدخل سرده إلى فضاء الواقعية السحرية الموغلة في غرائبيتها ، ومسخ الأشياء والأفكار ونقلها من عوالمها الطبيعية إلى عوالم مسخية أسطورية ، حيث يتحول المتناهي في قدسيته وهو عالم الحج عن زمانه ومكانه الطبيعيين والمقدسين ليصبح لعبة تكنولوجية تصرفه عن قداسته وطقوسه الخاصة إلى انتفاء هذه القداسة ، وتفتيت هذه الطقوس ، وربما كانت فكرة القصة بسيطة ومعتادة في سردنا القصصي المعاصر الذي صور كثيرا هذه المفارقة بين عالمنا العربي المتأخر حضاريا ، وعالم الآخرين المتفوق علميا وتكنولوجيا . لكن قيمة المفارقة السردية في قصة محمد شمخ لا تأتي من جهة موضوعها وهو الراديو ، بل من جهة الطريقة الفنية التي بنى بها الكاتب موضوعه ، أي الشكل السردي للقصة ، إن الموضوع هنا وهو الراديو ليس المقابل للقصة أو لمحتواها ، بل الشكل السردي هو الموضوع ذاته ، إن المفارقة السردية بين الواقع ممثلا في رمز الراديو ، ومستوى ما بعد الواقع السردي هي التي تفجر دلالة القص هنا إن الواقع يترامى إلى ما ورائه ، والسرد يتجاوز الحدث الصغير الممثل في شراء الراديو إلى الحدث الكبير ، وهو مساءلة العقل العربي نفسه ، وإعمال العقل النقدي في بنية العلاقات الثقافية المكونة لبنية هذا العقل ، إن الكاتب يود أن يلفتنا إلى أننا نمارس خديعة وجودية كبرى ، نحن نستمع إلى العالم ولا نعيش فيه ، نحن نتصوره ونتوهمه أوهاما شتى ولا نقاربه أو نحاوره أو نندغم فيه ، نحن أحرار بالسماع ، ولسنا أحرارا بالفعل والممارسة ، نحن نلهو ونتلهى ونظن أننا جادون أصلاء ، إن القيمة الفكرية والجمالية للمفارقة تكمن في كشفها لهذا الازدواج والتناقض والانقسام الكامن في طبيعة الوعي والعلاقات ، وطرق تصورنا للعالم ، إنها تضعنا مباشرة في قلب الزيف والخواء والارتباك ، إنها نار مطهرة ، وتساؤل منتج، وخلق خالق ، ولعل الكاتب محمد شمخ يصل ببنية المفارقة إلى ذروة فنية شامخة في قصته البديعة " لسع النعناع " حيث نجد هذا الازدواج والتناقض الفادح في الرؤية والتكوين بين شخصية الشيخ إسماعيل القائمة على الذكرى ورد الفعل وشخصية الشيخ علي القائمة على المبادرة والفعل ، إسماعيل يحيا بالتصور لا الصورة ، والشيخ علي يحيا باجتراح نبض الحياة نفسه ، لا مجرد تريد الأقوال والتصورات .

ومن خلال هذه المفارقة الفادحة تتنامى الشخصيات والأحداث والرؤى عبر سرد وصفي برناسي يبلغ به الكاتب ذروة فنية مبدعة قادرة على الاستصفاء التعبيري ، والتكثيف البنائي من خلال جس جسد الحياة نفسه جسا حيا مجسدا المفارقة بين الإيغال في جسدية العالم ، والتطوح مع أفكارنا وأوهامنا عنها . إن لسعة النعناع بحد ذاتها تغنيك عن آلاف الكتب والأفكار التي تحدثك عنها ، ولكي نكون أكثر صدقا مع أنفسنا ومع الحياة علينا أن نكون أبناء الطبيعة الطليقة ، ننغل في أحشائها ، ونلتصق بدمها وعظمها وشروخها الحية ، ولا نكتفي بمجرد الحديث عنها ، والعيش على شاطئ الأفكار الباردة . إن المفارقة بين لمس الجسد والكلام عنه تعيدنا بقوة من خلال قصة " لسع النعناع " إلى آفاق فلسفية وجمالية عديدة فقديما فرق أفلاطون بين المثال والشئ المحسوس حيث رأى أن عالم المثل هو الذي يهب الأشياء جمالها واتساقها ، لكن الفيلسوف كانت كان يرى أن الشئ في ذاته غير قابل للفهم يعجز العقل البشري عن فضى مستغلقة وكنهه ، ما نعرفه فقط هو ما يبدو لنا في الشئ ، أما نيتشه فقد رأى أن سر الحياة كامن في ديونوسية دفعها الجسدي الحي ، لا مجرد وعينا العقلي المجرد عنها ، بينما تصور هيجل الأشياء في حالة تصاعد جدلي من النقيض إلى النقيض المركب بينما ارتأى هيدجر أن جوهر العالم والوعي كامنين في علاقتنا الحية بأشياء العالم وموجوداته ، والقدرة على فتح حواسنا العقلية والروحية للإنصات إلى صراخ العالم وجدله الجسدي الحي ، وارتقت العلاقة بالشئ عند لوكاتش لاستنقاذ الروح والعقل والوعي من الذوبان في شيئية العالم الرأسمالي ، كما فرق إريك فروم بين وجود قائم على تلك الأِشياء ، ووجود قائم على الجدل الحي معها ، وجود قائم على الاستحواذ والتخثر وآخر قائم على الكينونة والحرية والطلاقة ، وبكلمة واحدة نرى أن الأشياء والموجودات وجسدانية العالم كانت مناط التفكير الفلسفي والجمالي عبر العصور والتصورات المختلفة ، لكن الفن كما رأيناه عند محمد شمخ وفكري داؤود وغيرهما من كتاب دمياط الموهوبين وهم كثر كان أعمق وأخصب مما قاله الفلاسفة والمفكرون لأن الفن حلول جمالي مباشر في حسية العالم ، وأِشيائه التي نتجسد بها وفيها مكونين جسد الحياة نفسه . فالفني أعلى من المنطقي والمعرفي والفلسفي.


















المصادر والمراجع


6. د. عبد الرحمن بدوى،الزمان الوجودى،ص24

7. د. أيمن تعيلب،بنية الثورات العلمية وبنية التحول المجازى فى الأدب،نحو نظرية للخيال،مجلة كلية الآداب،جامعة القاهرة،فرع سويف،2006.

8. ـ بيير زيما،التقد الاجتماعى:نحو علم اجتماع أدبى،ترجمة،عايدة لطفى،مراجعة د. أمينة رشيد،وسيد البحراوى،دار الفكرللدراسات،القاهرة،ط1،1991،ص173

9. ـ د . أيمن تعيلب،ظاهرة الاغتراب فى الشعر العربى الحديث فى مصر،المدرسة الواقعية،دكتوراه مخطوطة،كلية الآداب،جامعة الزقازيق،1996،ص20

10. ـ أولتر أونج، الشفاهية والكتابية،ترجمة حسن البنا عز الدين،مراجعة الدكتور محمد عصفور،سلسلة عالم المعرفة الكويتية،ص99

11. ـ محمود أمين العالم،مفاهيم وقضايا إشكالية،دار الثقافة الجديدة،1996،ص72

12. د. رمضان بسطويسى،هابرماس فيلسوف الحداثة،مجلة العربى الكويتسة، ع410، يناير1993،ص62

13. دياكريشنا الاغتراب وموقف الإنسان من العالم،ترجمة الدكتور يحى هويدى،ضمن كتابه(( نحو الواقع:ومقالات فلسفية)) مكتبة الأنجلو المصرية،ص167

14. - د. ساسين عساف،الكتابة الفنية،دار جروس بروس،بيروت،لبنان،1985،ص101

15. - د. حسن حماد،الاغتراب الوجودى،مكتبة الأنجلو المصرية،القاهرة، 1995،ص136.

16. - إرنست فيشر،ضرورة الفن، ترجمة أسعد حليم،ط، الهيئة العامة للكتاب، 1986، ص116










,ترفيه,سعودى,منتديات تلبي جميع احتجاجات المستخدم العربي,

قراءات سردية ..أشكال المفارقة في الخطاب السردي,قراءات سردية ..أشكال المفارقة في الخطاب السردي,قراءات سردية ..أشكال المفارقة في الخطاب السردي,قراءات سردية ..أشكال المفارقة في الخطاب السردي,قراءات سردية ..أشكال المفارقة في الخطاب السردي,قراءات سردية ..أشكال المفارقة في الخطاب السردي



المصدرمجلة الإبتسامة

via سعودى وانhttp://ift.tt/1cZ0EaB

0 Responses to 2020قراءات سردية ..أشكال المفارقة في الخطاب السردي مياسة الزين

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

احصائيات